للأعلى
15-أغسطس-2002

مشاهد ملحق صحيفة يمنية

الشيخ علي الجفري متى بدأت تمارس نشاط الدعوة وأين كان ذلك؟

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم..
وبعد: فقد أذن لي مشايخي نفعنا الله بهم بالوعظ والإرشاد، خدمة للدعوة، والفقير الى الله في سن 21سنة من العمر، وذلك في اليمن بلادي، ببعض المحاضرات في القرى التي كنت أتردد عليها، وفي المساجد، وفي المناسبات التي يجتمع فيها الناس.

هل لكم إنتاج فكري مكتوب أو مسجل.. وما طبيعته إن وجد؟

سجلت بعض الحلقات الفكرية التي تعرض في التلفاز منها ماكان على الهواء، ومنها ما سجل وسيذاع إن شاء الله عز وجل بعنوان “حوار العقل، كلمة الله” تناقش بعض القضايا الفكرية، كذلك بعض الدروس في السيرة النبوية من المنطلق الفكري في تريم في حضرموت، ويعمل بعض الأخوان على تدوينها لتحويلها إلى كتاب أو كتيبات.. لضيق الوقت لم أقم بكتابتها، وقد طلبت بعض دور النشر ذلك، وهم الآن في طريق إبرازها.

كيف يستطيع العامة من الناس الحصول على هذا الإنتاج بأسعار تناسب دخولهم ؟

الفقير إلى الله لا يتحدث عن الجوانب المالية مع من يسجل، ولا أتطلع إلى شيء منهم، وكل ما أطلبه منهم ألا يجعلوا ذلك حكرا دون أن يصل إلى من يجب أن يسمع ممن لا يملك الأموال الضخمة للشراء… سجلت حوار العقل، وفي القناة الأولى المصرية التي تصل الى العالم العربي ككل.

درست في قسم الدراسات ألإسلامية بكلية الآداب جامعة صنعاء ولم تكمل الدراسة ماهي أسباب تركك التعليم الأكاديمي؟

التعليم الأكاديمي وسيلة وليس بغاية.. ومن الأسباب الأساسية لتخلفنا اليوم، أنّا خلطنا
بين الغاية والوسيلة فتحولت الوسيلة إلى غاية، في بعض الأحيان عندنا.

المقصود من التعليم الأكاديمي أن يصل الإنسان إلى مستوى يستطيع أن يتعامل به مع التخصص… وقد تحولت هذه الوسيلة الأكاديمية للوصول إلى هذا المستوى إلى غاية، وصارت الشهادة هي الغاية وليست وسيلة، وصار المستوى الجامعي هو الغاية وليس الوسيلة، وصار تقييمي للا نسان الذي أمامي أي شهادة يحمل… فحصل نوع من التكالب المسعور على الشهادات في مجتمعنا لا لخدمة التوجهات أو التخصصات التي تدرس، ولكن لنيل مرتبة في المجتمع… وهذا الخلط بين الغاية والوسيلة هومن الأسباب التي دعتني، ولم أفصح عنها قبل هذا اللقاء إلى ترك التعليم الأكاديمي.

التعليم الأكاديمي, لا نذمه سيخدم المسلمين في كثير من الجوانب، ولكن أن أعيش عقدة أني بدون كبر التعليم الأكاديمي لن أستطيع أن أؤثر أو أن أنفع ، هذا الذي ينبغي أن نتخلص منه, الفقير إلى الله غير مقتنع بأني سأستفيد كثيرا من التعليم الأكاديمي الشرعي، مع أنه ثقف كثيرا من الناس ثقافة إسلامية، لكني لا أرى أنه وحده كاف في إبراز مجالات خدمة الإسلام، التي تحتاج إلى الارتباط بالمشايخ والجلوس إليهم، وأخذ شيء اسمه السند, ليس فقط في الرواية، لكن في الرواية وفي الدراية وفي التربية.

وجدت أنه يصعب علي أن أجمع بين الأمرين… بين الأخذ عن مشايخي وخدمة الدعوة وبين الجانب الأكاديمي، الذي يتطلب مني وقت وإمضاء ساعات معينة في الجامعة أجد أن أقل منها لو أمضيتها بين يدي الشيوخ سأستفيد أضعاف ما أستفيدة في الجامعة مع الاحتفاظ بالفضل للجامعات وما تقدمه وما تؤديه.

هناك عدد من الصحف خاصة في مصر، تحاول مهاجمة الأسلوب الذي تسير فيه، وتقول بأنك تتعمد إبراز دورك الدعوى من خلال الصفوة في المجتمع، وبالذات من يعملون في الفن، فكثير من الممثلين والممثلات اعتزلوا الفن واهتدوا، نتيجة مقابلاتهم وجلوسهم معك… ويقال أن هدفك من ذلك الشهرة وتسليط الأضواء من قبل وسائل الأعلام عليك خاصة، وأن وسائل الإعلام تركز على الوسط الفني؟

لسنا بصدد الرد على من يصدر مثل هذه التهم، كان باستطاعته أن نجلس ونقابله ويفهم عن قرب، لكنا نسأل الله لنا ولهم الهداية والخير، وربما لهم مقاصد حسنة من وراء ذلك، – نسأل الله أن يثيبهم عليها – من الحرص على المجتمع والخوف ممن يستغل الناس.

أما الداعية الى الله الذي يبحث عن الشهرة، فقد خان المبدأ الراقي للدعوة، وهو طلب رضوان الله عز وجل في دعوة الخلق للخالق. ثم أن الذي يظن أن الدعوة لن تصل إلا على أيدي الموسرين من أهل الأموال أو الفنانين من أهل الشهرة, أو الحكام من أهل السلطة، لم يتبع الهدى النبوي في الدعوة… الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم خاطب صاحب المال أبا بكر وعثمان كما خاطب صاحب السلطان هرقل وكسرى والنجاشي وخاطب الشاعر حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة, خاطب العوام بل الموالي أمثال سيدنا بلال وعمار بن ياسر وزيد وغيره, الدعوة معنى شامل، وخطاب الدعوة ينبغي أن يكون شاملا للكل، ولا ينبغي أن يقتصر على أحد, وفي نفس الوقت لا ينبغي أن يكون محصورا على أحد، الدعوة ليست حكرا على طبقة وأيضا ليست محصورة على طبقة، وينبغي أن نبحث عن الوسطية التي يتحدث عنها، والوسطية دائما تمتنع عن التطرف… ومعنى وسطية: وسط بين أمرين.

نحن نعيش تطرفين التطرف: الذي يظن أن الدعوة لم تصل إلا على أيدي هؤلاء وهذا مخالف لهدي النبوة. والتطرف: الذي يعتقد أن الدعوة ينبغي الا تصل الى هؤلاء وهذا مخالف لشمولية الرسالة… والوسط أن الدعوة للكل فإذا أقبلت طبقة معينه ليست الجريمة التي ارتكبتها لأنها من طبقة كذا حتى أردها.

البعد عن التطرف

شهرة الحبيب علي في ازدياد.. ومحبوك كثر.. وهذا مؤشر في العالم الثالث للتصادم مع السلطة. هل هناك تعليمات معينه تلتزمون بها من قبل السلطات في مصر؟ وما هي أسباب منع دخولك مصر في الشهر الماضي ؟

أظن أن المرحلة في البلدان التي تسمونها العالم الثالث، تدعوا العقلاء من العلماء ومن الحكام والعوام والمثقفين، إلى أن يتجاوزوا التصرفات الارتجالية التي كانت تحصل في السابق..وهو أصل وليس مجرد مرحله، ولكن أغفل هذا الأصل كثيرا ولن نقول عند من الخطأ لأن الكل له نصيب من الخطأ في ذلك…

لكن المرحلة التي وصلنا إليها تضطر العاقل اليوم: أن يتعاون الكل على خدمة الإسلام، وخدمة أمة الإسلام التي تعاني كل ما تعانيه في هذه المرحلة.

الأمر الآخر لا ينبغي لصادق في الدعوة أن يكره أو يستثقل أو أن يستغرب من وصول أذى إليه من حاكم أو من محكوم وإلا فهو لم يفقة حقيقة الدعوة.

نحن نثق أن أجهزة النظام الحاكم في الدول الاسلامية اليوم فيها من العقلاء من الصادقين من يستطيعون أن يفهموا سعة وثقل المنهج الذي يدعى إليه الآن، مما تعلمنا من مشايخنا، وأنه المنهج الذي أودع الله فيه الكثير من الحلول لمشاكل الأمة.. إن المنهج الذي يدعو إلى الوسطية الحقيقية ليست الوسطية الفضفاضة، المعنى التي يتكلم عنها، وأن الفكر المتطرف بأي معنى من معاني التطرف, أما مع الدين أو ضد الدين، التطرف في الفهم الخاطئ للدين، أو التطرف في الفهم الخاطئ ضد الدين، بأي معنى من معاني التطرف لايمكن أن نعالجه الا بالفكر… فلا تستطيع أجهزة دولة، ولا تستطيع إمكانيات الإعلام أن توقف هذا التطرف السيئ الموجود في سبيل إرداة خدمة الإسلام أو مضادة الإسلام، إلا بالبديل الصحيح لا البديل المبرمج لا السبيل المعد… لكن البديل الصحيح الذي صدر من مشكاة النبوة.

نحن على ثقة أن الأيام المقبلة ستكون موضحه لكثير من الغموض، ونلتمس لأي جهاز في أي دولة أن صدر شيئا من الاستشكال أو عدم الفهم لحقيقة المنهج لسبب ما مر عليهم من تجارب مع بعض الأدعياء الذين أساءوا للإسلام من حيث يظنون أنهم يحسنون إليه في كثير من الأحيان، على أنا لا نجد غضاضة في تعامل الأجهزة المصرية معنا، بل نجد منهم الاحترام والتقدير.
أما مسألة ما قد يحصل من اختلاف وجهات النظر في توقيتات أو في أماكن الانطلاق فأهل مكة أدرى بشعابها.

وما حصل أنني أبلغت عند وصولي مطار القاهرة، بعدم السماح لي بدخول مصر.. وعدت على نفس الطائرة إلى الا مارات.. وبعدها تم الاتصال بي وأوضحوا أن الأمر فيه لبس، وأن بإمكاني دخول مصر.. فرجعت

نراك دائما تذكر الفضل لمعلميك من الشيوخ والفقهاء, أين هؤلاء ومن هم؟ ولم لم نراهم يقومون بالعمل الدعوي؟ رغم تقديرنا للدور الكبير الذي يقومون به في تخريج الدعاة خدمة للإسلام, وكيف تقيم الدور الذي تقوم به أربطة حضرموت في خدمة العالم الإسلامي ؟

ما ذكرتموه في تخريج الدعاة هو الأصل، ولهم الأجر بعد ذلك في كل ما يقوم به الدعاة، وجزء منهم قد انتقل إلى رحمة الله عز وجل قبل وجود الفرص الموجودة الآن.. ومنهم من هو في مرحلة من العمر ليست بصدد الخطاب مع الناس والخروج والالتقاء والتحرك، إلا أننا نشعر أن صدقهم مع الله ورعاية قلوبهم لنا لها الأثر الكبير فيما نحن فيه من الخير، ونتيقن من ذلك، ومنهم من يقوم الآن بالدور الكبير على مستوى العالم الإسلامي.

ومنهم من انتقل إلى رحمة الله تعالى مثل الحبيب العلامة العارف بالله الإمام أحمد مشهور بن طه الحداد. الذي كان له الدور الكبير في أدغال أفريقيا حتى أسلم على يديه أكثر من 300 ألف في كينيا وتنزانيا وزائير وأوغندا وجزر القمر.. ووصل إلى عمق الأدغال وإلى بلاد العرايا وبلاد الأقزام التي نسمع عنها في الأساطير وإلى أماكن قبائل آكلة لحوم البشر..

ومنهم الإمام إبراهيم بن عمر بن يحيى مفتي لواء تعز المسند صاحب علم الإسناد، منهم الحبيب العلامة الداعية إلى الله المربي محمد بن عبد الله الهدار مؤسس رباط البيضاء وكان مفتي لواء البيضاء ولا يخفى دوره عندنا في اليمن حتى من قبل الوحدة شمالا وجنوبا.. وقد سجن في جنوب اليمن أيام الفترة السيئة الشنيعة التي مرت ( قبل الوحدة ) وكان ولا زال لرباطه الدور الكبير في خدمة المسلمين.. وأيضا الإمام الناسك العابد المتبتل الحبيب أبو بكر بن عبد الله الحبشي..والإمام الحبيب حامد بن علوي بن طاهر الحداد الأصولي الفقيه.. ومنهم من علماء الشام الشيخ عبد الفتاح أبو غدة الذي من الله علينا بالجلوس إليه مجلسا واحدا فقط، غير أنا وجدنا فيه من الخيرات ما نزال نشعر به ونحسه… ومنهم الشيخ محمد زكي إبراهيم هنا في مصر، من أكابر العلماء الصالحين وقد انتفعنا كثيرا بالجلوس إليه.

ومن الأحياء الموجودين وهو الأساس في انتهاج الفقير إلى الله هذا النهج الحبيب.. الإمام العارف بالله عبدالقادر بن أحمد السقاف الذي بلغ الآن الثانية والتسعين من عمره أمد الله تعالى في عمره.

ومن الأحياء أيضا الذي نشعر بشحن قلوبنا بالحرقة على الأمة إذا جلسنا إليه الحبيب المنصب عبد الله بن أحمد العيدروس نزيل أبو ظبي، وقد تجاوز الثمانين من عمره. ومنهم من أصحاب الفضل في كثرة القراءة لكتب الحديث والسيرة.. الشيخ الفاضل محمد بن عبد الرحمن باشيخ وهناك عدد قد لا يحضرنا الآن ذكرهم… أما من المتحركين الآن في ساحة العمل الدعوي أهمهم صاحب الأثر القوي على قلب الفقير الحبيب الداعية الى الله المربي عمر بن محمد بن سالم بن حفيظ وهو عندنا في اليمن أشهر من نار على علم لا يخفى دوره وفضله في تأسيس دار المصطفى بتريم للدراسات الإسلامية التي أصبحت ملاذا للكثير لطلبة العلم من أنحاء اليمن وأنحاء العالم, وهناك الحبيب أبو بكر بن علي المشهور القائم بالنهضة في عدن ونواحيها، الآن و هو صاحب المؤلفات العلمية والفكرية الرائدة في اليمن.

وهناك مسألة ينبغي أن تفهم، وهي أن الاشتهار ليس وسيلة لتقييم الأثر في الأمة… قد يكون الشخص لا ينظر إليه ولا يلتفت إليه، وفيه من الأثر في صلاح الأمة ما يفوق أضعاف أضعاف ما يتصور لشخص قد اشتهر وبرز والتف الناس حوله.

الأمر ليس في التفاف الناس وليس بالشهرة؛ ولكن الأمر بالأثر الذي يحدثه الله في القلوب وفي الثمرة… هكذا كان مشايخنا سيما الذين في حضرموت الذين أخذنا عنهم منهجيتهم في العمل بعيدا عن الأضواء، ودخلت بلدان بأكملها إلى الإسلام على أيديهم وتغيرت بسببهم بلدان من وثنية الى بلدان مسلمة كاندونيسيا ونواحيها وجنوبي الهند وشرق أفريقيا دون أحداث أي ضجيج ودون أن يعرف عنهم أحد.

وصار من الأخطاء الشائعة اليوم إعلامياً أن الذين نشروا الإسلام هناك هم التجار الحضارم, والحقيقة أن الذين نشروا الدعوة هناك الدعاة الذين خرجوا من اليمن ومن حضرموت تحديدا وليس التجار.. ووصلوا الى هناك دعاة لم يريدوا أن يمدوا أيديهم إلى أحد وأن يتكففوا الناس، فأقاموا أسباب التجارة فنشروا بأخلاقهم في التجارة وبهمتهم في الدعوة إلى الله عز وجل أنوار الإسلام في تلك البلدان.

ويشعر الفقير إلى الله أن وجه الشهرة والظهور الذي برز محل قلق بالنسبة لي، وأراه وأخشى بل ربما يكون يقينا أنه من نقص الإخلاص.. وأرى أولئك القوم على حال آخر وأرى أثر أحدهم وهو في خلوته في جوف الليل يبكي ويتوجه إلى الله برفع البلاء عن الأمة يفوق عشرات الخطب التي تصدر من لسان مثلي.

يقال أنه رغم دعوتك للوسطية، إلا انك متطرف في بعض تصرفاتك.. فكثير من الممثلات اللاتي اهتدين على يديك، تقابلهن من وراء حجاب، ولا تصافح النساء ؟

أولا: تأصيل الوسطية لاينبني على الأهواء والعادات والاستحسانات.
الوسطية: هي منهج الله الذي أنزله على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
إذا تركنا ربط الوسطية بالمنهج الذي ارتضاه لنا الله عز وجل فستكون الوسطية عبارة تشد وتجذب من قبل كل تطرف من التطرفات الموجودة.

فكل تطرف اليوم يدعى أنه صاحب الوسطية الحقة؛ لكن الوسطية الحقة ليست أن تعيش الوسط بين شنيع وشنيع في الواقع، الوسيطة الحقيقية ليست أن تكون وسطا بين الحق والباطل, الوسيطة أن تكون في وسط الحق بين الباطل والباطل وهذا لا يعرف إلا بالرجوع الى النصوص الشرعية، على قواعد وأسس الفهم الذي كان عليه من سبقنا من أئمة الصدق والهدى في اتصال سند الأخذ والتلقي عنهم.

نحتاج أيضا إلى تجاوز مرحلة الإرهاب الفكري المضاد ولما يسمونه اليوم بإرهاب المتطرفين الاسلامين..هناك إرهاب أيضا في الجانب الآخر.. وهو وجود الأسلحة الجاهزة لكل من لا يوافق الهوى.. لم أصافح امرأة.. إن لم تمد يدك وتصافح امرأة فأنت متطرف.. هذا إرهاب.. يا جماعة ، الصينيون لا يتصافحون، يهزون رؤوسهم.. هل هم متطرفون لأن لهم خصوصيات في مجتمعهم. نحن مجتمع له خصوصياته..لم يكن معهودا في مجتمعاتنا مصافحة الرجل للمرأة، لاإنتقاصا من المرأة ولاإنتقاصا من الرجل، لكن لنا خصوصياتنا الاجتماعية التي أضفى عليها ديننا الإسلامي، تحسين الحسن وتقبيح القبيح منها، فلماذا يجب ويلزمنا أن نكون أتباعا للتوجهات الموجودة في المجتمع وإلا فقد فارقنا الوسطية… اسمع كلامي وإلا أنت إرهابي..أنت متطرف..أنت متخلف، تذكرنا بالحقبة التي مرت ببلادنا في جنوب اليمن أيام الحكم الشيوعي.. كل من لم يوافق أهواء النظام الحاكم هناك، كانت التهم جاهزة، برجوازي، رأسمالي، إمبريالي،.. هذه التهم كانت قوالب لكل من يخالف أهوائهم..والآن نفس المسألة نراها اليوم.. ومن المضحك المبكي شعور النفس بأنا أمام بعض التوجهات التي لا تشعر بمسؤولية الكلمة، ولا مسئولية التعامل، ولا تبحث عن حقيقة الرقي؛ ولكنها تعيش حالة من الأهواء المتنازعة.

إننا نعيش معهم كقصة الرجل الذي كان معه وولده حمار ، ركب الأب ومشي الولد، فقالوا: هذا الأب قاسي القلب، يركب على الحمار ويجعل الولد ماشيا.
فنزل الأب وركب الولد، فقالوا: هذا الولد قليل الأدب، يركب ويترك والده يمشي.
فركب الأب والولد، فقالوا: هؤلاء ما عندهم رحمة اثنان على حمار واحد.
فنزل الاثنان فقالوا: هؤلاء ما عندهم عقل، الله أعطاهم حمار لماذا لا يركبون؟..
وفي النهاية اضطر الولد والأب أن يحملا الحمار على كتفيهما.

اليوم يراد بمن يخدم الدين أن يتصرف بهذا الأسلوب.. لكنا لا ننظر إلى الناس كما نظر الوالد والولد لأقوال الناس..ليست مهمتنا أن نبحث ماذا يقولون وماذا يقيموننا به.. مهمتنا أن نبحث ماذا جاء به ديننا، فنحن على ثقة أن السماحة واللطف في عرض ما عندنا من كنز الإسلام، وكنز الدين كفيل بأن يوجه القلوب إلى الله سبحانه وتعالى.

بعض المتكلمين اليوم يقولون: كيف هذا يجلس مع الفنانات، هذه عليها علامات استفهام، والبعض الآخر: كيف لا يجلس مع الفنانات، هذا تطرف..
طيب ما الخبر ما المقصود من هذا كله؟
نحتاج أن ننتقل من مرحلة المطاحنة بيننا البين والتصارع. مع أن دائرة الإسلام تسع جميع التوجهات بالقدر التي تخلو فيه من الأهواء، وبقدر ما تلعب الأهواء تقوم الصراعات.

أجد اليوم من بعض المثقفين من يتكلم عن تجنب صراع الحضارات، وعن الوصول إلى حوار الحضارات، وهو المتكلم فاشل في إيجاد حوار داخل حضارته نفسها.. ما استطاع أن يرتقي إلى مستوى الحوار داخل حضارته..إما اتبعني، وإلا قائمة من التهم تنتظرك أنت متخلف، أنت رجعي، أنت متطرف، أنت إرهابي كيف يستطيع هذا النوع من التفكير أن يحاور حضارات العالم، وهو فاشل في استيعاب حضارته هو، في تحديد هويته، وفي الاجتماع مع الطاقات المتعددة المتنورة الموجودة في مجتمعه..

نحن نحتاج إلى وقفة صدق في هذا المجال.

يقال أن تفرغك للدين يعد نوعا من الرهبنة؟

الرهبنة هي الاعتزال عن الخلق، فلا أعتقد أن نوعا من الاختلاط بالخلق أكثر من النوع الذي نحن فيه..

الأمر الثاني: مسألة التعامل مع مصدر الرزق (وهي قضية الأمة) اليوم تعاني نتائج الاضطراب الذي تعيش فيه.. الرزاق هو الله، والأسباب أمرنا باتخاذها، لا على أنها هي التي تجلب الرزق؛ ولكن الحل أنها نوع من الوسائل التي أذن الله تعالى أن نتعامل بها.. سبحان الله أجد أن الناس لا تجد استغرابا إذا وجدوا من يتفرغ لأي مجال من مجالات الحياة حتى للرقص، حتى للقفز، حتى للركض، حتى للرسم، وحتى لأن يجعل الإنسان هدفا ينفق فيه عمره كله؛ لكي يسجل رقما قياسيا في كتاب الأرقام القياسية.

كل هذا طبيعي ولو فرغ عمره كله ليصل الى قمة إيفرست؛ ليسجل أنه وصل إلى مكان كذا… ما هي النتيجة التي أوجدها بوصوله الى رأس جبل؟ لكن أصبحت العقول تقبل أن يتفرغ، وأن ينفق وقته وعمره، ولا يستغرب، ولا يقال من أين سينفق، وهذا اتكالي، فإذا جاء الكلام عن الدين، الذي هو روح الحياة، وحاجة الأمة إلى وجود متفرغين ممن يخدمون العلم أو يخدمون الدعوة، تقوم الأسئلة والظنون وتوضع علامات الاستفهام وتلقى الاتهامات، هل الدين رخص إلى هذا الحد؟..
إن المجتمع يشعر بأنه يحتاج إلى متفرغين متخصصين في كل المجالات في تسليك المجاري، والصرف الصحي، ثم يأتي الكلام إلى الدين فيستكثر على الدين أن يكون هناك من يتفرغ لخدمته، أعتقد أن هذه من الأمراض التي يجب أن نتخلص منها في مجتمعنا.

كلمة كافر متى يحق أن تطلق على شخص ما؟

لا يحق لنا أن نطلقها على أي أحد، وإنما نأخذها ممن بلغ رتبة الإفتاء والقضاء الشرعي. والحكم على فلان أنه قد كفر، الكافر الذي نعرفه هو من لم يسلم ولم يشهد بالوحدانية لله ولسيدنا محمد بالرسالة..لكن فلان مسلم كفر، هذا لا يتأتى أن يكون لمجرد أن سمعنا قال كذا كفر.. نعم هناك بعض الأحكام الصريحة في الردة مثل شخص نسمعه سب الله عز وجل والعياذ بالله من ذلك هذا كفر ولا يحتاج إلى كلام، لكن قال كلمة تحتمل السب، وتحتمل غير السب أو الإساءة بالذات الإلهية فليس بكافر.

وماذا عن الرقص في الكبريهات؟

الرقص في الكبريهات حرام وليس بكفر، امرأة تعرض جسدها أمام الرجال، هذا حرام، ولكن الحرام لا يورث الكفر؛ إلا إذا استحل الإنسان ما حرم الله شيء مجمع على تحريمه، امرأة تقف أمام الرجال هذا مجمع على أنه حرام.. جاءت هذه المرأة وقالت هذا حلال هنا يخشى عليها أن تكفر؛ لأنها استحلت ما حرم الله، لكن قالت أنا مخطئة ولم تتب على الحق بعد، نقول هذه عاصية، لا يتأتى أن نقول هذه كافرة.. فهناك فرق بين المعاصي وبين الكفر لا يتأتى أن يحكم على أهل الإسلام بالكفر للمعاصي التي يرتكبونها.. هذه من سمة الخوارج.. كان من أهم معالمهم أنهم يحكمون على مرتكبي المعصية بالكفر وينزلون الآيات التي نزلت على الكفار ينزلونها حكما على المسلمين.. هذا الباطل.

في 22 مايو الماضي احتفلت اليمن بالعيد الثاني عشر لتحقيق الوحدة اليمنية.. ماذا تعني لك الوحدة اليمنية.. وكيف استقبلت هذا الحدث العظيم.. وأين كنت وقتها؟

الوحدة اليمنية بالنسبة للفقير خطوة في طريق وحدة الأمة الإسلامية فليست الوحدة في منظورنا محصورة أو مقصورة على المعنى الإقليمي أو المعنى القطري وإنما نسر ونفرح بحصول مثل هذه الخطوة على أنها بداية لأمر نريده أن يستكمل طريقه في الأمة الإسلامية.. كانت الوحدة مصدر سرور بلا شك وكانت داعي خروجي إلى اليمن والوصول إلى حضرموت حيث أصولنا وجذورنا وحيث مشايخنا الذين تلقينا عنهم العلم في المدة التي قضيناها في المملكة العربية السعودية في أرض الحرمين.

يعني يوم إعلان الوحدة لم تكن في اليمن؟

يوم إعلان الوحدة كنت في مصر وبعد الإعلان رجعت إلى جدة ومن جدة توجهت إلى اليمن.

كيف كانت أحوال العلماء والدعاة أثناء فترة التشطير البغيض؟

أيام الفترة البغيضة التي مرت على اليمن ذاق علمائنا وأئمتنا الأمرين في تلك الفترة.. فيهم من قتل ومنهم من سجن ومنهم شرد ومنهم من أختطف ولا نعلم الى الآن أين ولا كيف قتل ولا أين دفن، كوالد شيخنا الحبيب عمر، الإمام الفقيه العلامة الحبيب محمد بن سالم بن حفيظ الذي لا نعرف إلى الآن كيف قتل ولا أين دفن.

في آخر لقاءنا هذا.. ماهي الكلمة التي تود توجيهها لأهلك ومحبيك في اليمن؟

الجواب: جزاكم الله خيرا من أهل وعشيرة وقد استخدمنا الله وإياكم واستخدم أسلافنا اليمنيين في خدمة هذا الإسلام شرقا وغربا.. وهو شرف ينبغي إلا يكون حبيسا عندنا في مجال الفخر واجترار الماضي، بل ينبغي أن يكون قدوة وحافزا ومحركا لنا، على أن نبني على القدم التي بنى عليها من سبقنا ونشعر أن مسئولية كبيرة علينا أمام الله عز وجل تجاه هذا الأمر..
أيضا لا ينبغي أن تأخذنا الأزمات والمضايق والمشاكل. شرف أن يعيش أحدنا خادما لربه ففي خدمة الله عز وجل الخروج من جميع الأزمات والإشكالات التي قد تواجهنا أو نعانيها، من جعل الله همه كفاه ما دونه، يا دنيا من خدمني فاخدميه ومن خدمك فاستخدميه..
نقول إن الخير مقبل على اليمن وعلى بلدان العالم الإسلامي كلها لكن الصادق هو الذي يكرمه الله بحسن الفهم لمعنى خدمته للدين.

© 2014 TABAH WEBSITE. All rights reserved - Designed by netaq e-solutions