للأعلى
25-سبتمبر-2007

الحرية في المنظور الإسلامي بين النسبية والإطلاق (5/5)

إن من أكبر إشكالات الحرية جدلاً هو حدودها أو القيود التي توضع عليها ، فالحرية المطلقة المتسيبة بلا ضوابط أو قيود هي عين الفوضي والتي تقود المجتمعات إلي الخراب والدمار، إلا أن كل المجتمعات الإنسانية تعرف نوعاً من الحرية الراشدة التي تمكن الإنسان من العيش والتعايش والمعايشة وفق إرادته دون أن يكون مقهوراً أو مظلوماً أو واقعاً تحت ضغط غير مشروع، فالحرية تعني الانطلاق المشروع في الرأي والاعتقاد وفي القول والفعل

فالحرية في نهاية الأمر تعني حق الإنسان في التعبير وفي التصرف ضمن ضوابط تختلف من مجتمع لآخر ومن ثقافة لأخري، لهذا فمن الصعب أن نتحدث عن وجود ضوابط واحدة لحرية التعبير تحكم كل المجتمعات أو الثقافات، بل يصعب علينا في حقيقة الأمر الحديث عن حرية التعبير في الثقافة الليبرالية أو المجتمع الأوروبي ككل.

فهناك اختلاف في الضوابط التي توضع علي حرية التعبير من تشريع لآخر حتي في نطاق المجتمعات الأوروبية ذاتها، بتعبير آخر هناك اتفاق عام علي ضرورة إيجاد قيود أو ضوابط علي حرية التعبير بنفس درجة الاتفاق علي أهمية المبدأ وضرورة كفالته كأحد الحقوق والحريات المدنية للأفراد والجماعات، وإن أجمعت علي ضرورة تحري الصدق والابتعاد عن الكذب وألا تتحول إلي ما يسمي بخطاب الكراهية أو التحريض علي استخدام العنف ضد جماعة بعينها أو ازدراء الأديان، وغيرها من الضوابط التي يختلف تشريعها من دولة أوروبية إلي أخري.

لقد كرم الله الإنسان بالحرية لا لذاتها، ولكن بقدر ما توصل صاحبها إلي الاهتداء والتقوي والصلاح، فإذا لم تستطع تلك الحريات أن ترتقي بالحقيقة الإنسانية في نفس الإنسان وتكون وسائل للهدي والرشاد، فوجودها كعدمها سواء، ولا قيمة لحرية الفكر والاعتقاد ما لم تكن هناك حرية تعبير، إلا أن الإسلام يميز في مجال حرية التعبير ما بين “الكلمة الطيبة” الفاعلة الهادية والمنتجة لكل فضيلة وخير، وبين “الكلمة الخبيثة” التي تقود إلي خراب الفرد وفساد المجتمع.

ومن ثم فنحن لا نتحدث هنا عن قيود أو موانع لحرية التعبير بقدر ما هي معايير وضوابط للكلمة الحرة التي تحمل سمات “الشجرة الطيبة” من الثبات والسمو، ومن طيب المنظر والصورة، ومن استمرار العطاء الإنساني ودوامه، في مقابل الكلمة الخبيثة التي تكون خالية من كل منفعة، ويصدق وصف الخبث تعبيراً عن مضارها وآثارها السلبية.

ولهذا علينا بادئ ذي بدء الإقرار بأن هناك حضارة إنسانية واحدة تضافرت سائر الثقافات والمجتمعات في بنائها عبر إسهامها بكل ما أنتجته من قيم ومعارف وفنون تتجاوز الخصوصيات الحضارية لكل ثقافة إلي ما يشكل نوعاً من الميراث الإنساني العام، وذلك عبر الانتقال الهادئ والحر للقيم والأفكار وطرق الحياة.

فكل مجتمع أنتج ثقافة حوت مجمل خبراته وفنونه ومعارفه، ثم ما كان منها صالحاً ومقبولاً ونافعاً من هذه الثقافة انتقل منه إلي غيره من المجتمعات الإنسانية الأخري، فنحن أمام حضارة إنسانية واحدة شاركت في صنعها وفي فيضها وفي حركتها ثقافات متعددة المنابع والموارد والمصادر، فكلها أعطت، وكلها أضافت، وكلها أغنت، حتي لتغدو الحضارة الإنسانية تعبيراً عن شراكة إنسانية حقيقية وكاملة.

وبناء علي ذلك علينا قبل الحوار مع الآخر أن نبدأ بحوار مع الذات لاختبار عدد من الثوابت التي يجب التأكيد عليها قبل أن ندخل في حوار حضاري مع الآخر، أولها الوعي بحقنا الكامل غير منقوص في شراكة حضارية حقيقية دون إقصاء أو استبعاد، وثانيها تجنب شراك الاستدراج والاستنزاف في ردود فعل متشنجة يدفعنا إليها من يريدون استبعادنا من تلك الشراكة الحضارية، بحيث نتراجع وننعزل ونتنازل أكثر فأكثر عن نصيبنا في الحضارة الراهنة، علي نحو يقود إلي تشكيل هويات حضارية معادية لنا أو علي أقل تقدير متجاهلة لما يمكن أن نقدمه لها من عطاء.

وعلينا أخيراً أن ندرك ماهية القيم التي يمكن أن تعبر عن مشاركتنا الثقافية في الحضارة المعاصرة، ما الذي يمكن أن نقدمه للحضارة من قيم ومرجعيات؟ كيف نجعل للحرية علي سبيل المثال أساساً مرجعياً يستند إلي خطاب محبة الآخر، كيف ننتقل من فهم الحرية علي أنها الحدود الواهية ما بين حريتي وما بين حرية الآخرين إلي تكريس معني محبة الآخر علي نحو تصير حريتك من كمال إيماني وتمتعك بها هي معراجي إلي التحقق بعبودية الله تعالي.

وفي نفس الوقت علي الثقافة الليبرالية أن تدرك أهمية مشاركة الآخرين عبر التنوع الثقافي والمعارف والفنون في إنتاج الحضارة المعاصرة أو المراد إنتاجها في القرون اللاحقة، وأن المسألة لم تعد مسألة ثنائيات حادة فاصلة بشكل غير مقبول بين الأنا والآخر، بين الشرق والغرب أو ما بين الشمال والجنوب أو ما يعبر عنه بالغرب والآخرين(west/rest) ، بقدر ما أضحت شأناً أوروبياً خالصا عبر التنوع الثقافي داخل القارة العجوز ذاتها ، حيث تشارك ثقافات متعددة في تشكيل الهوية الأوروبية الراهنة. لقد أضحت حرية التعبير – عبر أزمة الرسوم الكرتونية- مدعاة للنقاش والحوار داخل أسوار أوروبا وأصبحت من ثم شأناً أوروبياً بالقدر الذي يعني المسلمين في كل أنحاء المعمورة.

مجمل القول أن مسألة التعارف الحضاري ولو في أدني مراحله لن تتحقق إلا بتشكيل فضاءات ومساحات من الثقة المتبادلة ومن الاعتراف بالحق في التنوع وفي الاختلاف والإقرار بحق كل الجماعات والثقافات في الإسهام المتكافئ والحر في بناء وتشكيل هوية الحضارة القادمة بعيداً عن منطق الإقصاء والاستبعاد ، وهو عمل يحتاج إلي عمل دقيق وهادئ وعميق وتضافر جهود أهل الفكر والثقافة والتربية والإعلام والفن لتفكيك الصور الثنائية والتأكيد علي قيم الاحترام والتعايش والتكامل.

© 2014 TABAH WEBSITE. All rights reserved - Designed by netaq e-solutions