
حوار فكري شامل مع صحيفة المصدر اليمنية
الثلاثاء ٢٧ مايو ٢٠٠٨ - ٢٢ جمادى الأولى ١٤٢٩
27
رضية المتوكل - عبد الرشيد الفقيه
مقدمة
مهما كان مستوى اختلافك مع الحبيب علي الجفري لا تملك إلا أن تحترم رأيه، ومن إجاباته تستطيع أن تلمح ببساطة أن ما يقوله قد بحثه مع نفسه كثيراً وأن ما يهديك إياه هو خلاصة لتفكير طويل. ركزنا في حوارنا معه على محاور عدة من الخطاب الديني والحوار مع الآخر, إلى المجال السياسي, فضلاً عن قضايا أخرى. وكان ضيفنا الكريم يشرح أفكاره بعمق وبقدر كبير من الاطمئنان الذي انتقل رغماً عنا إلينا فخبت عندنا في كثير من الأحيان رغبة السؤال لتحل محلها اللهفة للاستماع، لهذا سيجد القارئ بأن هذا الحوار كان أشبه بندوة فكرية أكثر منه بحوار عادي.
مثقل كاهل الخطاب الديني بكل ألوانه بموروث جله نتاج مراحل الانحطاط الحضاري, وهو ما يشوش على وظيفة الدين في الحياة ويجعله مجرد خادم لصراعات وأجندة لا تخدم الحياة ولا الإنسان. برأيك ما هي وظيفة الدين الأساسية, وما هو السبيل لتنقية الخطاب الديني مما علق فيه؟
الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله. أوافقك على بعض ما ذكر من مقدمة قبل الدخول في معالجة النتيجة, وهو أن هناك إرثاً مثقلاً للخطاب الإسلامي في عصرنا، وهو نتاج للمرحلة المتأخرة القريبة المدى التي يمكن أن نربطها بمرحلة سقوط الخلافة العثمانية فما بعد. وقد كان هناك بعض الإشكالات قبل ذلك علقت بالخطاب الإسلامي، إلا أنه بعد هذه المرحلة مُني الخطاب الإسلامي بإشكاليتين كبيرتين, الأولى: تغير آلية التهيئة لمن يتولى الخطاب الإسلامي، وتحول تهيئة من يتولى الخطاب الإسلامي من مسلك الأخذ المتصل بالسند الذي يمتزج فيه التسلسل في الرواية مع التسلسل في الدراية مع التسلسل في التزكية للنفوس وتربيتها إلى جعل الأكاديمية في الدراسة الشرعية بديلاً عن ذلك.
الأكاديمية ستكون مفيدة للغاية كمنهج بحث حديث توصل إليه العقل الإنساني عندما تكون رديفاً للمنهج الأصيل المتلقَى لتهيئة من يقوم بالخطاب الإسلامي، لكنها عندما تحل كبديل تأتي الكارثة، لأنه في مثل هذه الحالة تفتقَد الضوابط. كان في السابق لا يجرؤ على صعود المنبر إلا من أذن له شيخ قد خبره وخبر علمه وقدرته على الخطابة وخبر أخلاقه وسلوكه ونقاوة وتزكية نفسه وإخلاصه في هذا الأمر، والآن هناك شيء من الفوضى في من يتكلم بالخطاب الإسلامي.
الإشكالية الأخرى التي مُني بها الخطاب الإسلامي هي التوجه الحاد الحثيث نحو منهجية تَحمِل مفردات مِن اختزال المفهوم الواسع للخطاب الإسلامي من حيث المضمون ومن حيث الوسائل، وجعل هذا الاختزال يبرز بصورة تشعر المستمع لكل طرف من الأطراف التي تتولى الخطاب الإسلامي وكأن هذا الطرف وحده هو الذي يمثل الإسلام، فسرنا باتجاه تخلية محتوى الخطاب الإسلامي أو تفريغه من قيمة عالية فيه وهي قيمة التنوع وقيمة قبول التعدد في الرأي ووجهة النظر.
هذان الإشكالان سببا بعد ذلك كثيراً من المشاكل التي ذكرتها في النتيجة التي في السؤال، أما الجواب على النتيجة التي تصورتها بتلك المقدمة، هو أن المسألة تحتاج إلى تضافر الجهود، وتحمل المسؤولية من قبل كل من يمثل طرفاً في هذا الأمر، فالعلماء أصحاب المسؤولية الأكبر، وأولياء الأمر، والإعلام في العالم الإسلامي، ورجال المال والأعمال والاقتصاد، والأكاديميون أصحاب التدريس والتعليم وتهيئة الأجيال؛ هذه الفئات الخمسة أتصور أنها صاحبة المسؤولية بدرجة أولى، ثم هناك مسؤولية بدرجة ثانية ترجع إلى المستمع الذي في الأصل هو متلقٍ ومتأثرٌ بالخطاب، لكن يمكن للمستمع إذا ارتفع الوعي عنده نوعاً ما أن يمثل وسيلة من وسائل التقويم لهذا الخطاب؛ ويمكن ضرب مثل على ذلك وهو أن المستمع إذا لاحظ أن الذي يوجه الخطاب يحمل في خطابه نبرة احتقان أو تعبئة مجموعة ضد مجموعة داخل إطار البيت الإسلامي فينبغي للمستمع أن يُشعر المتكلم أنه غير مقبول بأدب وينصرف دون ضجة أو صياح أو مشاكل، فيحصل نوع من التقويم، ويشعر من يلقي خطاباً إسلامياً أنه لو حاد عن هذا الطريق لن يجد من يتقبل الاستماع. فنحن نحتاج إلى الاجتهاد من الناحيتين، لكن الجزء الأكبر يتحمله أهل العلم، في أن يلي الأمر أهله، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعاً، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوساً جُهَّالاً فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" [صحيح البخاري، كتاب العلم رقم 100].
هذه الدلالات التي ذكرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم تأخذنا إلى استشعار أهمية إعادة النظر فيمن يقوم بإبلاغ الخطاب الإسلامي. وهناك مسألة أخرى، وهي إيجاد وعي يتمثل في احترام التخصص داخل ميدان الخطاب الإسلامي. كان المحدثون في السابق لا يجرؤون على الفتوى في الفقه إلا إذا تخصص المحدث في الفقه وصار محدثا فقيهاًً؛ وكان صاحب علم الكلام وعلم التوحيد لا يجرؤ على تحويل نتاج ما توصل إليه إلى أحكام يصدرها على الناس لأنه يرى أن هذه مهمة من يُقام في هذا الأمر.
اليوم أصبح من أتقن جانباً من هذه الجوانب يعطي لنفسه الحق في أن يتولى الجوانب الأخرى مما أضعف قيمة احترام التخصص داخل الخطاب الإسلامي. وأخيراً فإن إحياء مسلك التزكية وإذكاء روح الإخلاص في قلوب من يخدم هذا الخطاب سيكون له الأثر الكبير، ويمكن أن يصب هذا الجواب كله في نقطتين، الأولى: أن يُعطى الزمام لأهله في هذا الأمر، والثانية: أن يكون هناك مجال أوسع للعمل المؤسسي الذي يقوم على أساس خدمة الخطاب لا استخدامه.
الخطاب الديني شوه وظيفة الدين في الحياة، من وجهة نظرك ما هي وظيفة الدين في الحياة؟
- وظيفة الدين بمعنى الإيمان في الحياة أن يكون مصباحاً ينير للإنسان مسلكه ودافعاً يحرك الإنسان في هذا المسلك. فالدين يقوم على أمرين: الأمر الأول يتعلق بالعقل وهو مسلك إيضاحي يوضح الدين به للإنسان مسار حياته وإلى أين يؤول، والأمر الآخر هو إيجاد الدافع في داخل الإنسان من أجل العمل بمقتضى ما تبصر به عقله؛ وهو يخاطب القلب والروح والنفس التي تمثل الدافع للعمل وللسير، ويمثل الكاشف العقلي للإنسان عن المسار الذي يسير إليه وهذا يتخلل جميع جوانب الحياة.
هل نستطيع القول أن الدين هو نظام دولة؟
الدين أوسع من كلمة نظام دولة، ومن الأشياء التي ظلمنا بها الدين أحياناً من حيث لا نشعر أننا اختزلنا الدين بمفهوم نظام دولة، فقد خفنا من فصل الدين عن السياسة فحولنا الدين إلى جزئية في السياسة من حيث لا نشعر، والمطلوب خلاف ذلك.
الدين يدخل في أمور تتعلق بالدولة فيخاطب القائمين على الدولة كيف ينبغي أن تقوم الدولة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة تُمارس من خلالها سلطة باسم الدين لأغراض أخرى.
الدين له هدايات وتوجيهات وإرشادات تتعلق بالاقتصاد ولكن لا ينبغي أن يتحول الدين إلى مادة يُتاجر بها في ميدان الاقتصاد. الدين له دور أساسي في دفع المسلم نحو مجال العلم والدراسات التطبيقية والتجريبية واكتشاف معالم الحياة والعالم الذي نعيش فيه، لكن دون أن يتحول هذا الأمر إلى استخدام للدين لهذا الغرض، بل الدين يتحول إلى دافع للإنسان لكي يتعلم ويتفقه ويعرف الحياة على نحو يجعله يفيد غيره ولا يضره.
الدين هو الذي أبرز لنا أكبر العلماء المخترعين في عصر النهضة الإسلامية، وهو الذي حمى هؤلاء من أن يكون نتاج حضارتهم مادة سهلة التناول من قبل المستغلين والمنتهزين للفرص ليحولوا نتاج العلم إلى وسيلة للإفساد في الأرض كما نشهد اليوم في الحضارة المعاصرة.
التعدد المذهبي في الوسط الإسلامي هل هو ميزة أو مشكلة؟ ففي ظل ما نراه في أكثر من بقعة إسلامية، أصبح التنوع في المجتمع الإسلامي مصدراً للاقتتال والصراع؟
لم يحدث في اليمن أن قامت معارك على أساس مذهبي.. ومشكلتنا الإقصاء لا المذهبية
التنوع المذهبي نعمة من نعم الله العظمى، ومعلم ليس من معالم صلاحية الدين لكل زمان ومكان فحسب، بل إصلاح الدين لكل زمان ومكان. الحق عز وجل قادر على أن يجعل الخطاب الذي يأتي من حضرته في نصوص قطعية الثبوت والدلالة لا تقبل اختلافاً، لكن لحكمة أرادها جعل النص في الكثير من الأحيان بل في أكثر الأحيان حمالاً للأوجه ليفسح مجالاً للتنوع في الاجتهاد لتستوعب مخرجات هذا الاجتهاد عقول البشر وظروفهم واختلاف الزمان والمكان؛ إذاً فالإشكال ليس في التنوع المذهبي فهو نعمة من نعم الله، ولكنه في نظرة الناس, لا سيما في العصور المتأخرة, إلى مفهوم الاجتهاد والتنوع المذهبي. يكون الإشكال عندما يأتي البعض فيعطي لفهمه للنص قدسية النص. النص له قدسيته وهو معصوم، لكن فهم آحاد الناس للنص واجتهادهم في فهمه واستنباطهم له لا يمكن أن يُعطى عصمة النص. فعندما بدأ البعض يعطون لاجتهاداتهم في فهم النصوص قدسية النصوص ويحاكمون الناس على هذا الأساس ظهرت هذه الإشكالات. عندما أصبحت الأهواء والمصالح الشخصية أو الحزبية أو القومية أو الذاتية -أياً كانت- ذات تأثير على الخطاب، لم يعد من هذا حاله يحتمل أن يوجد أحد على خلاف معه. عندما ضعفت روح التزكية التي تجعل الإنسان يتبصر ويفهم السنة القرآنية العالية، سنة نقد الذات "وما أبرّئ نفسي.." عندما ضعف هذا المعنى سهل على العديد من أصحاب الأصوات العالية اليوم في الخطاب الإسلامي، والتي تملك آليات الإيصال لهذه الأصوات من خلال الوسائل المؤسسية والإعلامية أن يضرب بعضهم البعض ويحولوا النعمة الكبيرة وهي نعمة التنوع والاختلاف المذهبي إلى نقمة النزاع والصراع.
في السابق عندما كانت الأمة مستقرة على مذاهب مخدومة ومؤسسة ومؤصلة كالمذاهب الأربعة لدينا - مذهب أهل السنة والجماعة- ومذهب إخواننا الزيدية، ومذهب إخواننا الإثنى عشرية، ومذهب إخواننا الإباضية. العلاقة التي تراكمت فيها الثروة المعرفية لدى كل مذهب من هذه المذاهب سار بها شيئاً فشيئاً إلى القدرة على استيعاب هذا التنوع. نحن في اليمن ولأكثر من ألف سنة السني مجاور لأخيه الزيدي، ما سمعنا عن أي معارك قامت في الوسط الديني على أساس مذهبي، حصلت معارك سياسية لكن لم يحصل ذلك بين السنة والزيدية قط في اليمن على أساس مذهبي، بل ساد هناك تعايش على نحو راقٍ. المشكلة بدأت عندما جاءت دعوات جديدة ليس لها صلة بالمذاهب العريقة المؤصلة ذات التراكم الحضاري والمعرفي والثقافي العالي والتي استقرت في الأمة، وبدأت هذه الدعوات الجديدة - بدلاً من أن تكون إضافة تجديدية للاجتهاد - بفأس الهدم لاجتهادات السابقين وأرادت أن تحل محل هذه الاجتهادات، وكل من يخالفها في ذلك تريد إقصاءه، هنا محل الإشكال وليس في الاختلافات المذهبية.
يعني يمكننا القول إن المشكلة هي في إقصاء الآخر والتعصب وليس في الجديد، لأن الانفتاح على الجديد وارد في كل مكان حتى في اليمن؟
المشكلة في التعصب للمذهب وأيضاً في إقصاء الآخر، إضافة إلى مشكلة ثالثة وهي فوضى تولي أمر الخطاب الإسلامي. ليست المشكلة أن يوجد مجتهد جديد ولكن المشكلة أن يدعي الاجتهاد من لم يؤهَّل له، أن يدخل ميدان إرادة التجديد للخطاب الإسلامي من ليس بأهل لذلك ومن لم يؤهل لأداء مثل هذا الدور، تماماً كمن يريد فتح عيادة طبية وهو لم يدرس الطب ولم يستكمل دراسة سنتين أو ثلاث وفشل ولم يكمل واستطاع أن يتعامل مع نفسية المريض وصار عنده المشرط، فهذا بدون شك يرتكب جريمة.
ديننا لا يوجد فيه كهنوت، لا يوجد فيه استيلاء على منصة الخطاب الإسلامي من باب سلطوي، لكن يوجد شيء اسمه احترام التخصص. إنسان لم يتمكن من قواعد اللغة العربية، لم يتمكن من أصول الفقه، لم يتمكن من علم المنطق وفجأة يقفز إلى مستوى المجدد المجتهد، فيخطِّئ الشافعي ومالك وزيد والهادي ويتكلم بأنه صاحب الرؤية الجديدة والواسعة..
على رسلك, نريد أن تكون صاحب رؤية واسعة، وباب الاجتهاد مفتوح ولا يستطيع أحد أن يغلقه لكن تأهل لهذا الأمر وتفضل. ومن علامات التأهل أن تفقه معنى احترام من سبقك في هذا الميدان. لك أن تختلف مع الأئمة الذين سبقوك لكن على أي وجه من أوجه الاختلاف؟ مثل أن يأتي طفل - وسامحوني على هذا التعبير - طفل في ميدان الخطاب الإسلامي، ويصعد على المنبر وينسف الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد وزيد والهادي، وعلماء مذاهبهم العمالقة مثل النووي وابن حجر العسقلاني، ويسفه هذا ويتكلم على الآخر، هنا يصبح الأمر نوعاً من السفه في صورة التجديد.
تقصد بالنسف الاستخفاف وليس الاختلاف؟
الاستخفاف والحكم على ما وصلوا إليه بأنه خارج عن الدين، وقد ذكرنا نقطتين مهمتين هما التعصب والإقصاء، وأضيف نقطة ثالثة هي الفوضوية في مفهوم التجديد، عندما نسمع بشخص يريد أن يأتي بجديد يلفت الأنظار إليه ليُصنع منه واجهة إنسان متطور أو حداثي إسلامي أو صاحب رؤية جديدة واسعة، وبكل سهولة يريد أن يشطب على شيء قد أجمع عليه - لا أقول اجتهاد شافعي أو مالك - لكن شيء مجمع عليه بين أئمة المسلمين سلفاً وخلفاً، بدعوى أن له رؤية جديدة في هذا الأمر، المسألة تكون محل ريبة تحتاج إلى تأمل وإلى نظر.
وأعيد بأن هناك مستجدات جدت حول أمور كانت في السابق مفاهيم لها جزء من علة الحكم؛ فالحكم الشرعي صار في مسألة ما كذا لأن المفهوم السائد في ذلك الوقت العلة فيه كذا. ثم إنه لو جاء مع تقدم الوعي الإنساني وما توصلت إليه البشرية من اكتشافات ما يثبت أن العلة التي قام على أساسها الحكم لم تكن صحيحة، فلا آخذ بهذا الحكم ولو قال به الشافعي وأحمد ومالك وأبو حنيفة وزيد، لكن عندما تكون المسألة لم تقم أصلاً على متغيرات ولم يُبنَ الحكم فيها على أشياء تتغير بتغير الزمان والمكان، فمن هذا الذي يريد أن ينسف اجتهادات السابقين في أمر لم يتغير فيه شيء؟ هذا يصبح محل إشكال بالنسبة لنا في الخطاب الإسلامي.
التخصص في مجال الطب والهندسة يقوم على قواعد متعارف عليها عالمياً، فبناءً على دراسة أربع أو سبع سنوات يصبح الشخص متخصصاً، لكن في المجال الإسلامي لا يوجد قواعد متعارف عليها بين كل الناس.
بل هناك قواعد، وفي بداية الكلام ذكرت لكم أن إحلال الدراسة الشرعية الإسلامية الأكاديمية محل المنهجية الأصيلة في الأخذ والتلقي والتعليم الإسلامي سببت هذه الكارثة التي تتكلمون عنها. لم يعد عند الناس ضابط يعرف من خلاله تأهل الشخص أو عدم تأهله، فمن معه شهادة دكتوراة يعتبر متأهلاً ولو كان جاهلاً، أو من بمقدوره أن يكون ذلق اللسان مثل الذي يكلمكم الآن، ويحسن الكلام، ويظهر في الفضائيات صار يرجع إليه في كل شيء، وهذا خطأ.
في السابق كان هناك منهجية راقية وواضحة، وللأسف هي تدرس الآن في الجامعات الأوروبية، وتقام عليها رسالات دكتوراة لمعرفة مثلاً منهج المدرسة المغربية في التعليم الشرعي في تأهيل العلماء، المدرسة الشامية القديمة، مدارس اليمن - لا أقول مدرسة اليمن – بل مدرسة صنعاء وذمار، ومدرسة حضرموت، ومدرسة زبيد، والمدرسة الهندية في صناعة المحدثين، ومنهجية المدرسة العراقية في صناعة العلماء، ومنهجية الأزهر في ذلك.
الآن تقام دراسات عليا في كليات متخصصة في دراسة منهجيات التعليم، في الوقت الذي عدمت في بعض هذه الأماكن التي ذكرتها هذه المنهجيات واستعيض عنها بالمنهجية الأكاديمية المستوردة، لا بصفتها رديفاً - وأنا أرحب بها جداً وأراها مفيدة كرديف - لكن للأسف صارت بديلاً للمنهج الذي كان يُحدَّد به المؤهلون لهذا الخطاب الإسلامي.
هل يوجد على أرض الواقع حركة تسعى لتوحيد الخطاب الإسلامي أم أنها واقعياً مسألة صعبة جداً؟
- لا أرى أننا بحاجة إلى توحيد الخطاب الإسلامي لكن أرى الحاجة إلى تكامله، والكلام عن توحيد الخطاب الإسلامي أشبه بالكلام عن المستحيل واقعاً. وأيضاً لا أرى توحيد الخطاب الإسلامي ينفع الإسلام. نحن نريد الإبداع على الاختلاف والتنوع الراقي، لكن ينبغي أن يكون هناك عمل على مد الخطاب الإسلامي من مرحلة التنوع البغيض القائم على التضاد والإقصاء إلى مرحلة التنوع التكاملي.
يدعو الكثير من الدعاة والإسلاميين الجدد إلى الحوار مع الغرب، وهي محاولات في رأيي للتلميع ولنفي تهم التطرف والإرهاب والجمود، فلماذا لا يوجد بين هؤلاء الدعاة من يتبنى الدعوة للحوار الإسلامي الإسلامي، إلى الآن لا يوجد دعوات للحوار الإسلامي الإسلامي - بين المذاهب والفرق والجماعات الإسلامية - ولماذا لا نلمس نقاشات معرفية مؤصلة وموثقة عالمياً للمنطلقات بين مختلف الجماعات الدينية؟
مع احترامي الكبير لوجهة نظرك في الدافع الذي حمل بعض الدعاة المعاصرين للانطلاق نحو الحوار مع الغرب، غير أني أتحفظ على وجهة النظر هذه وعلى مصطلح الدعاة الجدد من أصله؛ لكن أقول هناك أمران صدرا من الله عز وجل ضمن أوامر، أمر يتعلق بالمسلمين فيما بينهم البين: "وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ"، وأمر يتعلق بعالمية هذا الدين الإسلامي: "ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"، "وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"، "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ..".
لا يتأتى أن أعطل أمراً لصالح أمر آخر، عندما أقول أنه لا يتأتى لي أن أخاطب العالم أو أحاوره ليفهم ديني ويفهم ثقافتي وأفهم ثقافته وأصل مع العقلاء منهم إلى ما فيه نفع للبشرية ونفع للمسلمين إلى أن يصلح الأمر داخلياً بين المسلمين، هذا الكلام غير عملي والكلام العملي أن نقول نعم نؤيد الحوار العالمي الذي ينطلق بعدد من الدعاة الكبار من علماء المسلمين اليوم للحوار مع الآخر ونطالب بجانب هذا الحوار الناجح الراقي المثمر في زماننا مع الآخر بحوار داخلي مع الذات نعود فيه إلى هذا الأمر.
وفي جزئية الحوار مع الآخر، الحمد لله, في السنتين الأخيرتين بدأ يحصد ثماراً عالية وراقية، وليس ذنب هذا الحوار أن وسائل الإعلام العربية تغاضت عنه أو مارست تشويهه بطريقة غير أمينة وحجبت عن القارئ والمستمع الثمار التي جناها من يقوم بهذا الحوار لصالح الخطاب الإسلامي ولصالح البشرية، ولكن الواقع أن هناك ثماراً كبيرة جنيت من وراء ذلك موجود وموثق وثابت، ولا أرى أن فيه تلميعاً للدعاة الذين يقومون بذلك، بل على العكس أرى تشويهاً في الداخل لهؤلاء الدعاة بسبب وجود صنف آخر من إخواننا الدعاة الذين يمارسون وبجدارة ما يرونه حقاً لهم في الاستئثار بمخاطبة الشارع. ولا أريد أن أتهم أحداً هنا ولكن أريد أن نقول أن هناك شيئاً من الإخلال بمبدأ الأمانة في الحديث عن هذا الموضوع من قبل بعض الدعاة الذين يرفضون فكرة الحوار، ولهم الحق ونحن نتكلم عن التنوع، لك الحق أن ترفض فكرة الحوار مع الآخر ولا تمارسها لكن لا تجعل ذلك ينحو بك منحى الطغيان على أخيك والبغي عليه وتقويله ما لم يقل أو تشويه صورته بطريقة كاذبة أو خاطئة.
أما مسألة الحوار الداخلي فيما يتعلق بالجماعات الإسلامية والتوجهات الإسلامية المختلفة - وهناك مساع قديماً وحديثاً في ذلك – فإن أكبر عقبة تقابلنا في هذا الأمر هو بعض المتصدرين لبعض الفئات الإسلامية أو الجماعات الإسلامية الذين لا يرون حاجة إلى هذا الأمر ولا يرون نفعاً فيه. وكما أن البعض لا يرى نفعاً في الخطاب مع الآخر هناك من لا يرى نفعاً في الحوار الداخلي ويرون الاستمرار بالمسلك الإقصائي، لكن هذا لا يعذر الدعاة من أن يخطوا طريقهم في ذلك. وهناك خطوات تبشر ببداية هذا الأمر، ويوجد تواصل بين عدد من كبار دعاة المسلمين اليوم, والمسألة تحتاج إلى وقت إلى أن يصل هذا الأمر إلى مرحلة تُرى فيها ثمار تُجنى، وهي تحتاج شيئاً من الوقت وتحتاج أيضاً إلى تضافر جهود شبابنا القائمين على العمل الإعلامي ونحن بحاجة إليهم ليساعدونا إلى إيصال ثقافة مبدأ قبول التنوع الداخلي وفهمه وتبنيه، ورفض التأليب الذي يمارسه البعض لجماعة ضد جماعة. فدوركم يعوَّل عليه كثيراً في هذا الأمر، ولكن أبشركم بأن هناك خطوات ولسوف تسمعون إن شاء الله تعالى نهاية هذه السنة أو بداية السنة المقبلة أخباراً سارة في هذا الشأن.
وكما كانت هناك مبادرة ’كلمة سواء‘ التي وجهت إلى القيادات المسيحية في العالم وجاءت بنتائج إيجابية أكثر مما كنا نطلب ونتصور، يوجد الآن أيضاً توجه لصياغة مبادرة أخرى بعنوان (ولا تفرقوا) بنفس الحجم من كبار العلماء والدعاة تتوجه إلى الداخل.
على ذكر رسالة إلى المسيحيين هناك رسالة وجهت إلى بابا الفاتيكان فيها تصحيح للأخطاء والمغالطات التي وردت في محاضرته، فهل كانت نتيجة اعتذار منه؟
لم تكن نتيجة اعتذار أو قبولاً لاعتذار لأنه لم يعتذر،كانت تقديراً للأسف الذين أبداه، لكنها تضمنت وهو الأهم أسلوباً راقياً في تصويب الأخطاء التي وقعت مع إبقاء الاحترام في الخطاب. وقد سارع موقعنا إلى تكذيب خبر قبول الاعتذار، إذ نشرت بعض وسائل الإعلام أن 38 داعية وعالماً مسلماً قد قبلوا اعتذار البابا، الأمر الذي سبب اضطراباً لدى بعض الدعاة المعارضين لفكرة الخطاب والحوار من أصله، وكادت تقوم فتنة داخلية؛ فقد استعجلوا قبل أن يتثبتوا هداهم الله وتهجموا على الرسالة وحاولوا أن يصنعوا رفضاً داخلياً في صفوف المسلمين لمبدأ مخاطبة غيرنا أو محاورتهم. وهذا ما دعانا إلى المسارعة إلى نفي أن يكون في الرسالة قبول اعتذار لأن البابا لم يعتذر. لكن مبادرة ’كلمة سواء‘ رسالة أخرى مختلفة، فهي صيغت ووجهت إلى القيادات الدينية المسيحية في العالم بمن فيهم البابا. والبابا من أهم القيادات المسيحية في العالم لكن يوجد أيضاً بجانبه البروتستانت والأرثوذكس وبعض الكاثوليك المختلفون معه، فوجهت إلى نحو 27 قائداً من أكبر القيادات الدينية المسيحية في العالم، وزيادة على موقعي الرسالة الأولى الـ38، وقع عليها 138، ثم توالت التأييدات وقاربت خمسمائة من العلماء إلى الآن.
تضمنت هذه الرسالة خطاباً فحواه أننا وإياكم نمثل أكثر من 55% من سكان الأرض وبدون أن يكون هناك تعايش صادق بيننا فلا سلام في الأرض، وارتكزت على أرضية مشتركة تقوم على أساسين: الأساس الأول حب الله الإله الواحد، والأساس الثاني حب الجار والإحسان إليه، على أننا متجاورون في الأرض، وتضمنت آيات من الذكر الحكيم تؤيد هذين الأساسين ومقاطع من الإنجيل لا تتعارض مع آيات الذكر الحكيم؛ فجاءت والحمد لله ردود أفعال جيدة للغاية من أكثر قيادات المسيحية في الأرض، من البروتستانت والأرثوذكس وبعض الكاثوليك. وأيضاً بادر 300 مرجع مسيحي معظمهم من الولايات المتحدة الأمريكية - من قساوسة ومراجعً كنسية وعلماء لاهوت أكاديميين ورؤساء مؤسسات مسيحية كبيرة - بإرسال رسالة ترحب بوثيقة ’كلمة سواء‘ تضمنت في بدايتها الاعتراف بأن هناك خطايا وآثام ارتكبها المسيحيون تجاه المسلمين مثل الحروب الصليبية قديماً وتجاوزات ما يسمى بالحرب على الإرهاب حديثاً، واعتذروا عن كل ذلك وطلبوا العفو والصفح من المسلمين قاطبة، وهذه بادرة تعتبر تاريخية. وقد أخبرني البروفسور (ميروسلاف فولف) رئيس مركز الدين والثقافة التابع لجامعة ييل الشهيرة، وهو من كبار علماء اللاهوت البروتستانت الأمريكيين - والذي أشرف على هذا الرد - أنه قام بحذف بعض مقررات الفصل الدراسي الذي يدرسه واستبدل عوضاً عنها تدريس نص الرسالة التي وجهها علماء المسلمين. فمن يقول إن مثل هذه المبادرات لا ثمرة لها وأنها مجرد تودد أو استرضاء للآخرين؟
في إطار الحوار مع الآخر، ألا تواجهون كدعاة مشكلة أن حياتكم لا تعكس عظمة هذا الدين؟ فكيف تقنعون الآخر بشيء لا يوجد له أثر في حياتكم كمجتمع؟
أحسنت، لكن هذا الحوار لم يتضمن حواراً عقدياً (لاهوتياً) ولا تشريعياً، الحوار على مبدأ أن أبقى أنا وأنت مختلفين لكن نتعلم كيف نتعايش معاً، ثم بعد ذلك تأتي مرحلة الحوار التشريعي والحوار العقدي (اللاهوتي) في الجلسات المغلقة، لكن نحن بحاجة اليوم إلى حوار جاد يحل إشكالية أننا في قرية عالمية واحدة ويؤذي ويقتل بعضنا البعض. كيف يمكن أن نعيش بصورة صحيحة راقية على هذا النحو؟
وكما أن سلوكيات كثير من المسلمين المتطرفة لا تمثل المعاني الراقية التي نتحدث عنها فإن سلوكيات كثير من المسيحيين أيضاً اليوم لا تمثل هذه الصورة. بل يمكن لمن ينظر إلى الواقع من زاوية أخرى أن يقول عندنا متطرفوين وعندهم متطرفون، غير أن متطرفينا مهمّشون مختبئون ومتطرفيهم في البيت الأبيض ظاهرون؛ متطرفونا مطاردون من قبل قياداتنا بينما متطرفوهم يتولون القيادة؛ وإذا كان متطرفونا - كما يقولون - دمروا برجين وقتلوا ثلاثة آلاف، فمتطرفوهم دمروا دولتين، وقتلوا أكثر من 300 ألف.
ويوجد من المتطرفين في العالم المسيحي من انتقدوا الردود الإيجابية على رسالة ’كلمة سواء‘ وجرموا أصحابها وخونوهم، كما حصل أيضاً عندنا من المتطرفين المسلمين، لكن الجيد في ذلك كله أن العقلاء من كلا الطرفين بدؤوا يتخاطبون. في السابق كان المتطرفون هم الذين يتولون تمثيل كل من الطرفين وأخذ زمام النزاع لقيادة العالم نحو الصراع.
إذاً فالحوار هو ليس دعوة الآخر إلى الدين الإسلامي وإنما دعوة إلى التعايش في إطار أديان مختلفة؟
لا أرى الدعوة إلى التعايش في إطار تنوع التوجهات والملل إلا جزءاً من أسلوب راقٍ في الدعوة إلى الإسلام، ولا أرى إلا أن بعضهم أيضاً يرونه وسيلة راقية للدعوة إلى المسيحية. لن نكذب على بعضنا البعض، لا يوجد مسلم صادق في تبني مبدئه لا يريد دعوة الآخرين إلى دينه، ولا يوجد مسيحي صادق فيما يراه من تدين لا يريد للآخرين أن يدخلوا في دينه. كما لا يوجد علماني ليبرالي مهما تكلم عن التعايش إلا وهو يود بأسلوب مباشر أو غير مباشر أن يدعوني إلى فكرته، هذا ليس بخطأ؛ لكن دعوتنا الآن قائمة على أساس أن هناك من يريد أن يقود العالم إلى حرب دمار باسم الدين. فإذا كنت تريد أن تقود العالم إلى حرب باسم السياسة والمبادئ الأخرى هذه مشكلتك، هذا غير مقبول لكنها مشكلتك، لكن أن تأخذ الدين وتلبس الدمار الذي تريد أن تسوق إليه العالم ثوب الدين – سواء بالإسلام أو بالمسيحية - فهذا مرفوض.
هناك من استغل الإسلام لمقاصد أخرى، ولم يسلم من ذلك الحرم المكي عند قيام جهيمان العتيبي ومحمد القحطاني باحتلال الحرم المكي، وسالت الدماء في أطهر البقاع باسم الإسلام وباسم الشريعة. كذلك في التاريخ الماضي كما ذكر نظراؤنا في الحوار أو في رسائل الحوار أن الصليبين باسم الصليب وباسم السيد المسيح - والسيد المسيح عليه السلام بريء من ذلك - قادوا حروباً، واليوم يوجد من قادة العالم من يقول إن الرب أمره أن يضرب أرضاً كأن الرب عدل عن التخاطب مع البابا لأنه لم تعد له سلطة كافية فصار يخاطب رؤساء الدول.
إذاً هناك نوع من الاستغلال للدين لصالح ملفات أخرى، مهمتنا في هذه الحوارات تجريد هذا اللعب بالدين عن ثوب الدين. اظهروا بثوبكم الحقيقي، أنتم تقولون أن الدين لم يعد له أثر، وأننا في حياة علمانية وليبرالية لا تحتاج إلى الدين فلماذا تتمترسون إذاً خلف الدين؟ تكلموا بمبدئية توجهاتكم لا تلعبوا بالدين، حتى الجيش الإسرائيلي.. القرار الإسرائيلي اليوم لا يقوده متدينون يهود بالقدر الذي يقوده علمانيون يهود لكنهم يستغلون النزعة الدينية لدى قواعدهم لتجييشها ضد المسلمين، ولهذا كنا نرى في وسائل الإعلام الجنود الإسرائيليين في عدوانهم الظالم على لبنان وهم يمسكون كتب التوراة بأيدهم ويصلون، بينما ليس لقياداتهم فيما يبدو إيمان حقيقي بالدين كإيمان هؤلاء الجنود لكنهم استغلوا تدينهم. رأينا هذا أيضاً في القوات التي احتلت العراق حيث يحمل كثير من أفراد هذه القوات نسخاً من الإنجيل.
ويوجد أيضاً من المسلمين من يغري باسم الإسلام كثيراً من البسطاء المسلمين المحبين لدينهم والمحتقنين بسبب الظلم الذي ينزل بأرض المسلمين بارتكاب أفعال إجرامية باسم الإسلام مع أن الإسلام لا يرتضيها.
فأحد أهداف هذا الحوار، بالإضافة إلى الدعوة إلى التعايش، نزع ثوب الدين عن التلاعبات الموجودة اليوم وإبقاء الدين على حقيقة نقائه.
يعني ذلك أنه لا يحق لأي جهة أن تقول أن أفعالها وتوجهاتها السياسية هي باسم الدين حتى ولو كان الدين دافعاً لديها؟
ما قصدت هذا، ما قصدته أن لا يتكلم غير متأهل باسم الدين، وأيضاً أن لا يضفي من يتكلم باسم الدين على كلامه قدسية الدين. هذا فهمك للدين وإن كنت مؤهلاً للكلام باسم الدين فما تراه هو ما فهمته أنت من الدين.. هو اجتهادك، فلا تفرض على الآخرين من أصحاب الاجتهادات الأخرى أو أتباعهم أن يسيروا بسيرك، ولا تعتبرهم مخالفين للدين.
هل تعتبرون الليبرالية نداً أو خصماً للخطاب الديني؟
أنا لا أقتنع بذلك ولا أرى الأمر أن الخطاب الليبرالي ذاته مضاد أو خصم للخطاب الإسلامي، لكن سلوكيات بعض الإسلاميين وبعض الليبراليين هي التي صورت هذه الصورة أمام الناس في العالم. على سبيل المثال الذي سمح للمسلمين ببناء مساجد في أوروبا لم يكن رجال الدين المسيحي قط، فحين كانت الكنيسة هي التي تتولى الزمام في أوروبا حصلت مذابح للمسلمين، وما جرى في الأندلس خير شاهد على ذلك، لكن الذي فسح الفرصة للمسلمين أن يبنوا مساجدهم ويمارسوا دعوتهم وعباداتهم هي الليبرالية، ليست الليبرالية دائماً خصماً للإسلام.
ما دلالة مصطلح الليبرالية عندك؟
هي رؤية فكرية ثقافية قامت وبرزت كطور من أطوار التفكير الإنساني البشري والتجربة البشرية، وإن الجزء الذي قد يظهرها في عصرنا مناوئة للدين هو أن طوراً من أطوارها مرّ بصراع مع بعض أصحاب السلطة الدينية في أوروبا مما ركز وكرس في النفسية الليبرالية الشعور بأن السلطة الدينية عائق يعوق عن التقدم. هذه المسألة لو فهمناها وتأملناها بشكل جيد لصار خطابنا مع رموز الليبرالية أو من يمارس عمله من منطلقات الليبرالية أكثر قدرة على إقناعه بما نتكلم به، أو على الأقل التفاهم معه.
وهناك أيضاً مشكلة ترسخت في نفوس كثير من الذين يتحدثون بالخطاب الإسلامي من أن الليبرالية معناها معاداة الدين، وغالب من يقول هذا الكلام لم يقرأ عن الليبرالية وإنما سمع عنها في خطبة أو وسيلة إعلام وتكلم من هذا المنطلق. وأنا لا أبرّئ الليبرالية ولا أرى أنها الصواب الذي ينبغي أن نبحث عنه، لكن أيضاً لا أرى أنها الشيطان الذي ينبغي أن نستعيذ بالله تعالى منه، بل ينبغي أن نتأملها كنتاج للفكر والتجربة الإنسانية حملت بعض الشوائب أو احتوت على بعض النقائص والأخطاء وتحتاج إلى حوار للوصول إلى المفيد منها وستبقى بعد ذلك رافداً من روافد الفكر الإنساني وستبقى شيئاً موجوداً في واقعنا لا نستطيع أن نلغيه لأنه لم يعجبنا.
برز منذ 11 سبتمبر مصطلح "تجديد الخطاب الديني" بقوة، فهل جاء ذلك بناء على حاجة ذاتية للخطاب الديني أم أنه مجرد استجابة لضغوط خارجية؟
الإعلاميون أبرزوه للناس بعد أحداث 11 سبتمبر، أما تجديد الخطاب الإسلامي فهو أمر قائم التبشير به منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القائل: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" [رواه أبو داود والطبراني والحاكم وغيرهم..]. ثم بعد ذلك ظهرت سلوكياً في مدارس متعددة حتى أن عمر بن عبد العزيز جدد للأمة المنحى في آلية الحكم، والإمام الشافعي جدد للأمة مناهج الاستنباط والأصول في القرن الثاني والثالث والرابع والخامس، ثم نظر البعض فرأى أن التجديد لا يتعلق بشخص بعينه وقد يكون نتاجاً لعمل عدة أشخاص ومدارس متنوعة. فمفاهيم التجديد موجودة من السابق ومنذ نشأتي وأنا أسمع عنه، لكن رُكز عليه إعلامياً بعد أحداث 11 سبتمبر وأنا أوافق على ذلك، أما في المدرسة الأصيلة هو موجود.
إذا فهو نابع من حاجة داخلية وليس فقط إرضاء للغرب؟
هو في الأصل نابع من حاجة داخلية لكن التركيز عليه ربما لا يكون بريئاً من محاولة إرضاء الغرب، وعلى كل حال، مادام الأمر صواباً ونحن في حاجة إليه فلماذا نتضايق؟ كان البعض يقولون لماذا تذكرون الوسطية بكثرة الآن؟ بعد 11 سبتمبر تذكرتم أن دينكم دين الوسطية؟ ونقول لا، منذ زمن ونحن نتكلم عن الوسطية وقبل الأحداث، لكن لم تقترب أدوات تكبير الصوت إلى أفواهنا إلا بعد أن حصلت المشاكل. وسائل الإعلام ومن يوجه وسائل الإعلام شعر بالخوف والإشكالية بعد الأحداث فقرب مكبرات الصوت إلى من يتكلم عن الوسطية ولما رأى البعض أن الوسطية أصبحت محل نظر واهتمام ركب الموجة وصار يتكلم عن الوسطية.
لكن هل لأن البعض الآن مركز على الوسطية من خلال منطلقات ودوافع خارجية يجعلنا ننكر أننا بحاجة إلى الوسطية؟ هل نستطيع أن ننكر أن التطرف طاغٍ اليوم على خطابنا الإسلامي؟ هل نستطيع أن ننكر أن الوسطية موجودة في ديننا؟ هل الوسطية موجودة في ديننا أم لا؟ هي موجودة في ديننا، يقول الله تعالى: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.." هل عندنا مشكلة التطرف؟ هل هو موجود؟ نعم عندنا ونرى المذابح باسم الدين اليوم بين المسلمين أنفسهم فضلاً عن قتلهم للمؤمن وللمعاهد على نحو لا يجوز، إذاً عندنا تطرف في الخطاب الإسلامي.
الوسطية من ديننا والتطرف طاغٍ وصوته عالٍ بين أوساطنا، ألا تكفي هاتان المقدمتان لتكون النتيجة ضرورة الاعتناء بالوسطية؟ بلى، كذلك فيما يتعلق بسؤالك..
طالما توافقت الحاجة الداخلية مع التوجه الدولي فما المشكلة؟
ما الإشكال؟ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر حلفاً في الجاهلية كان قد شارك فيه هو حلف الفضول وقال: ’لو دعيت لمثله في الإسلام لأجبت‘. والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها، لا يعيب فكرة حفر الخنادق أنها جاءت من الفرس عبدة النار في ذلك الوقت، سيدنا سلمان الفارسي قال للنبي صلى الله وآله وسلم في معركة الخندق أن قومي – أي الفرس الذين كانوا عبدة النار في ذلك الوقت - كانوا إذا جاءهم عدواً لا يطيقون لقاءه يحفرون الخنادق فأخذ النبي بالفكرة رغم أنها جاءت من عبدة النار، وعليه قس.
عندما أعلنا في وقت سابق عن حوار مفتوح معكم في منتدى حوار كانت أغلب الأسئلة التي طرحت من قبل الأعضاء سياسية، ألا يعتبر ذلك مؤشراً بأن دور العالم مرتبط في أذهان الناس بالمجال السياسي؟
مررت بتجربتين في مسألة تلقي الأسئلة: الأولى كانت مع الصحوة نت، ثم مع منتدى حوار، والقاسم المشترك الذي لاحظته هو الأسئلة التي ذكرتها، فهي تحمل ثلاث إشكاليات، الأولى: صيغة التهمة وكأن الذي يسأل ينبغي عليه أن يكون متهماً حتى تثبت براءته وهذه عكس الأصل؛ الثانية: أنها أخذت طابع الصراع الداخلي الموجود في بلادنا حتى بدت وكأن المسألة معركة وليس حواراً فكرياً؛ والثالثة: كانت مجساً لشيء استفدته وهو مهم يتعلق بحاجة المهتمين بالمواقع التي لها علاقة بالإسلام والتي لها علاقة بالحوار أو التي تتخاطب مع من ينتسب للعلم والدين، حاجتهم إلى أن يرتقوا أكثر في قراءتهم للأحداث والتصرفات على نحو يحمل صفة التثبت وصفة البحث عن المفيد، وهذا ليس متعلقاً فقط بقراء منتدى حوار أو الصحوة نت، ولكن هذا الإشكال وجدته في غالب المنتديات الإسلامية، فلو أن باحثاً أو مستقرئاً قام بعمل إحصائية حول الطابع الغالب على المنتديات الإسلامية اليوم، لوجد أنه الصراع والصراع المرير، لا أقول الاختلاف فالاختلاف شيء جيد إذا قام على أصول، لكنه الصراع والإقصاء والتصادم، وفيه إشغال للناس في دوامة لا تنتهي، مما يقودهم إلى غيبوبة عن واقع حاجة الأمة إلى خطاب إسلامي ناضج. ولا أخفيكم أنه مع أسفي في التأخر عن الإجابة بسبب انشغالات حقيقية كنت أمر بها في المرحلة الماضية إلا أنني أيضاً لم أجد دافعاً قوياً للإجابة على الأسئلة في نفسي. فعندما أستعرض ما أجدني مشغولاً به وما أجد العلماء والمشايخ مشغولين به من قضايا حقيقية، ثم أجد أن عليّ أن أجلس سبع أو ثمان ساعات لأعد أجوبة على ثلاثين أو أربعين سؤالاً تدور في فلك ضيق أشعر أن دافع الاستجابة ضعيف.
لكن ألا نستطيع أن نعتبر ذلك هو نبض الناس الناتج عن معاناة حقيقية؟ وهل يصح أن يغيب العلماء بمختلف توجهاتهم عن هذه المعاناة؟
أوافق على ما تقول، لكن لا يعني عدم الغياب عن هذه المعاناة الانحباس عليها والدخول في فلكها ودوامتها، هذا نبض وهو مجس وأنا فرحت بوجود هذا المجس وهذا الاستشعار للنبض، لكن أعتقد أن العلاج لا ينبغي أن يكون في الاسترسال خلف هذا النوع من الأسئلة، وإنما يكون العلاج في النظر الجاد للأسباب التي أوصلت الناس إلى حيثية أنه إذا تدين الرجل أصبح قبيحاً. قبل تدينه كان مرحاً وطيباً ويحسن التعامل مع الناس، وبمجرد أن يتدين يتحول إلى إنسان قبيح يسب ويلعن ويأخذ بالظن ويتهم ويسيء الظن. هنا مشكلة فواجب من يلاحظ أمثال هذه الأسئلة أن لا يقتصر على الإجابة، بل ينبغي أن يربط نظره إلى الدوافع والأسباب والإشكالات أو الظروف التي أوصلتنا إلى هذا الحال بالنظر في علاجها. وأحياناً قد يكون جزء من العلاج عدم مباشرة التفصيلات هذه والنظر إلى ما وراءها. هناك مشكلة عند من يتولى الخطاب اليوم، وعند أغلب من يتحدثون باسم الإسلام، وأكثرهم لا أشك في إخلاصهم أو في صدقهم أو في محبتهم للخير، لكن أظن أننا بحاجة إلى التسامي في تعاملنا مع بعضنا البعض؛ يعني بدلاً من أن أنشغل بالشباب الذين تأثروا بخطاب الشيخ فلان الذي تهجم على فلان، لماذا لا أقصد ذاك الشيخ الذي خاطب هؤلاء الشباب وأبتدئ بشيء من طول النفس بخطوات في محاولة إيضاح الصورة له أكثر ليعرفني أكثر وأعرفه أكثر، فأقدّر ما يتصرف وينطلق من خلاله، ويحاول أن يتفهم المنطلقات التي أنطلق من خلالها.
نحن على مستوى اليمن مررنا بمراحل صعبة للغاية في الخمسين السنة الماضية، والشعب اليمني هو من أكثر الشعوب الإسلامية حيوية - وهذا ليس تعصباً لليمن - فهو لا يزال شعباً حياً متفاعلاً مع ما حوله، لكن الإنسان اليمني يعيش اليوم حالة الإنسان المهدوم في داخله، ولولا الحيوية الموجودة في الشعب اليمني وفي أبناء اليمن والبركة التي أوجدها الله فيهم لما بقيت فيهم حياة من شدة ما يتعرضون له.
عندنا طاقات رائعة وراقية وعظيمة، وعندنا استعدادات أيضاً، لكن هذه الطاقات والاستعدادات تحتاج إلى تغذية في بناء شخصية الإنسان اليمني المقبل، عندنا ولاء راقٍ للدين في نفوس أبنائنا، لكن توجد اليوم عوامل تدفن هذا الولاء، وأحيانا يكون بعض أهل الدين هم من يدفنونه وهم لا يشعرون. عندنا في نفسية الإنسان اليمني اليوم تطلّع وتشوف راق وجذاب إلى أن يسهم بدوره في الحياة والحضارة الإنسانية، لكنه يشعر أنه في قارب بدون مجاديف أو مقيد ولا يستطيع التجديف. الإنسان اليمني اليوم عنده استعداد لأن يتقبل الجميع ويتعامل معهم لكن كثرة الضرب على ظهره اليوم تجعل مساحة تقبله للتفاهم مع غيره تضيق. الإنسان اليمني له تجربة تاريخية في تغيير خارطة الأرض من الناحية السكانية بغير إراقة دماء في جنوب شرق آسيا وفي شرق أفريقيا، فهو مصدّر ومتبني وصاحب رؤية راقية في الخطاب الإسلامي. ما نعاني منه اليوم هو أن هناك ضرب لهذه الرؤية من داخل اليمن بسبب بعض المدخلات الجديدة التي طرأت على الخطاب الإسلامي في اليمن جاءت من خارجه، وتبناها بعض أبناء اليمن، فإذا بهم أنفسهم يئدون هذه الثروة الموجودة من حيث لا يشعرون بأيدي بعض المتشددين في الخطاب. خلاصة هذا الأمر أن الشعب اليمني ممكن أن يكون من أفضل الشعوب في الأرض إثراءً للإنسانية فيما لو أعيد الاهتمام به مرة أخرى على نحو صحيح.
لاحظنا مؤخراً كيف تعامل الناس مع فتوى تحريم عيد الحب باستخفاف مبررين ذلك بأن من يفتي هو في الأصل بعيد عن معاناتهم الحقيقية وعن قضايا الفساد والحقوق والحريات، ألا يخلق بعد العلماء عن هذه القضايا فجوة بينهم وبين عامة الناس؟
في المقابل أيضاً يوجد شكوى عند كثير من الناس فيما سمعت به في اليمن من انشغال كثير من المنابر بالقضايا السياسية اليومية، حتى تحولت بعض المنابر كأنها برلمانات أو مجالس نواب. لا ينبغي للعالم أو الداعية أن يغيب عن واقعه، لكن أيضاً لا ينبغي أن يقع في واقعه. ينبغي أن تكون هناك أدوار يحترم التنوع فيها، مواقف وأدوار تحتاج إلى علماء يخاطبون القلوب، يخاطبون الأرواح، يزكون الأنفس، يحيون روح الإيمان في القلوب، فلا نطالب هؤلاء أن يتكلموا عن غلاء الأسعار ولا عن مشكلة البطالة ولا عن الفساد، هذا مجالهم ونحتاج إلى شريحة أخرى من العلماء تعتني بالأمور التعليمية والفقهية كالطهارة والصلاة؛ ونسمع اليوم بعض من يتهكم ويقول هؤلاء العلماء مشغولون بالحيض والنفاس وأمثال هذه الأمور، وهذا كلام خاطئ أنا لا اتفق معه، نحن بحاجة إلى علماء ينشغلون بذلك، لأن الكثيرين لا يزالون يجهلون هذه الأحكام وهي أحكام المسلم بحاجة إليها في يومه وليلته. نحن بحاجة إلى علماء يتخاطبون مع الواقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي بوعي وفهم لا مجرد تكرار ما تتناقله نشرات الأخبار والجرائد، كمن يقرأ كلاماً في جريدة ثم يصعد على المنبر ليتكلم دون تبصر أو احترام للاختصاص. أنا سأجد نفسي لا أحترم العمامة التي ألبسها إذا صعدت على المنبر وتكلمت عن مسألة اقتصادية دون أن أجلس إلى اقتصادي وأسأله حول حقيقة الأمر. بعضهم اليوم للأسف يطلب من العالم أن يكون (سوبر مان)، فلا بد أن يتكلم في كل شيء وإلا فهو ليس بعالم. وفي المقابل البعض تجاوب مع ما يطلبه الناس فتراه يصعد المنبر، فإذا كان المطلوب أن يكون فقيهاً كان فقيهاً، أو أن يكون جيولوجياً يكون كذلك، أو تاجراً أو سياسياً يكون كذلك، كما يقولون (من حيث ما ضربته يطن).
لم يكن الأمر هكذا، فلهذا نحن بحاجة إلى هذا وذاك، أنا أعرف أن في اليمن عدداً من العلماء يمسون القضايا الحساسة، يتكلمون عن هموم المواطن وبكثرة، والجرائد مليئة بتصريحاتهم ووسائل الإعلام تنقل بعضها والمنابر تضج بهم، وأيضاً هناك من العلماء من يتكلم عن أشياء أخرى.
قد اتفق معك في أن مشكلة الكلام عن بعض المدخلات الجديدة مثل عيد الحب وغيره اتسمت أحياناً – ليس عند كل العلماء وأنا أجل العلماء ونعال العلماء على رأسي، وأنا لا أعتبر نفسي عالماً بل طويلب علم في حضرتهم- لكن توجد نبرات تتكلم عن مثل هذه المدخلات بسطحية تدل على أن المتكلم لا يعيش نفسية الشباب الذين يتعاملون مع هذه المدخلات الجديدة. أعجبتني عبارة جيدة لبعضهم تكلم في مسألة عيد الحب قال ينبغي أن نعيش الحب كل يوم كمسلمين ولا ينبغي أن نستسلم لتقبل فكرة الفالنتاين. ومن الممكن أن نسمع شخصاً آخر يقول نعم نجعل من فكرة عيد الحب إحياء لمفهوم الحب ولكن لا نكون تبعاً للآخرين في جعلها محصورة على اللون الأحمر أو نتدنى بالحب إلى حضيض الشهوات الجسدية، بمعنى أن يكون هناك نوع من المعالجة لمثل هذه الأمور تتناسب مع طريقة تفكير أبنائنا اليوم. أنا سمعت بعض العلماء يحرض على عدم الفرح والاحتفال بعيد الأم.. لماذا؟ كثير من المسلمين اليوم عندهم تقصير في التعامل مع أمهاتهم، والله تعالى أمرنا ببر الوالدين، فإذا جاء شيء ولو من الخارج مادام جيداً فلماذا لا نتعامل معه؟ فبالإضافة إلى أنه لا ينبغي أن نركز فقط على هذه القضايا ينبغي أن نتناولها لكن بطريقة تتناسب مع عقلية ونفسية من نريد أن تصل إليهم الرسالة. أما أن نُشعر شبابنا من حيث نقصد أو لا نقصد أن الدين عبارة عن عسكري يمسك عصا عليهم أو سيف، وممنوع أن يتقبلوا أي شيء أو أن يفهموا شيئاً، فتبدأ تتشكل نفسية في جيل الشباب وهم غير قليلين اليوم ينظرون إلى الدين نظرة تشبه نظرة أصحاب الثورات العلمانية التنويرية في أوروبا إلى الكنيسة، وهذا خطير. عندما يسمع شاب أن عالماً يفتي بأن الأرض لا تدور يذكر الناس بمأساة جاليلو، فلا نريد أن يتحول جيل الشباب المثقف أو خريجو الجامعات المعاصرة إلى شباب ينظر إلى الدين بتلك النظرة. كل ذلك من الإشكالات التي تحتاج إلى معالجات واسعة، وربما يكون لشبابنا المتصل بالإعلام من أمثالكم دورً مهم في هذا الأمر.
إذاً أنت تؤمن بالتنوع في الأدوار لكن ألا يوجد أولويات؟
ينبغي أن نراعي الأولويات وأنا موافق على ذلك، لكن الأولويات هي أيضاً نسبية، أولوية من لا يجد الخبز أن يأكل الخبز، والأولوية عند من لا يجد الكتاب أن يجد الكتاب، والأولوية عند من يشعر بالخواء الروحي أن يبحث عن روح، والأولوية عند من هو واقع تحت الظلم أن يُرفع عنه الظلم، فالأولوية ليست كلمة مطلقة بل نسبية. الأمر الثاني ينبغي أن نراعي ما يتقنه المتكلم، فقد يكون أحد الدعاة لا يتقن الكلام فيما ترونه أولوية، فهل يطالب بأن يتكلم في ما لا يدري أو يسكت؟
هل مطلوب منه أن يحاول أن يدري؟
مطلوب منه أن يحاول أن يدري، لكن ماذا لو كانت هذه الأولوية غير داخلة في اختصاصه؟ من سمات العصر الذي نعيشه أنه عصر التخصص. فلو أن إنساناً لا يتقن إلا تدريس الأحكام الفقهية، فهل نقول له تكلم في مشاكل الشباب اليوم؟ ففي هذا ظلم له وللشباب.. فلربما سيقتحم هذا الأمر ويتكلم بطريقة عوجاء تنفر الشباب، أو سيشعر أن عنده عجزاً، فيلزم بيته ويحرم الناس من الانتفاع بفقهه.
إذاً هل تقسم الأولويات بناء على القدرات الذاتية أو على الضرورات؟
نحتاج إلى مراعاة الناحيتين في الأولويات: أولويات تتعلق بكفاءة من يتكلم واختصاصاته وأولويات تتعلق بمتطلبات الواقع الذي نعيشه، ولا أجد اليوم أي اختصاص صحيح متقن من اختصاصات الخطاب الإسلامي غير محتاجين إليه كأولوية. وإليكم هذه المفاجأة.. قبل حوالي عشر سنوات أو أكثر خرجنا إلى وادي من وديان اليمن- اليمن وليس واق الواق- ووجدنا أن أكثر من 80% من سكان هذا الوادي لا يحسنون قراءة سورة الفاتحة، فهل تحفيظ الناس سورة الفاتحة وتعليمهم الوضوء يصبح أولوية هنا أو لا؟
هل غياب الدولة هو ما أدى إلى هذا المستوى من الجهل؟
لست من النوع الذي يحب أن يبحث دائماً عمن يحمله المسؤولية، دعونا ننتقل من مرحلة البحث عن المتهم حتى نلبسه القضية فيما مضى إلى مرحلة البحث عن الحل فيما يأتي في المستقبل. هذا ليس جواباً دبلوماسياً كما يقول بعض الإعلاميين عن أجوبتي لكن هذا جواب عملي.
تريد أن أقول مثلاً بالنسبة لمناطق جنوب اليمن الحكم الشمولي نعم كان له أثر سيء، وبالنسبة للشمال الصراعات المتوالية للحكومات نعم هذا كان له أثر سيء، لكن هل هذا هو كل القضية؟ هل القضية أن نبحث عن المتهم ونلزمه بأنه متهم وتكون قد حلت؟
ألا يساعدنا تشخيص المشكلة على اختيار المعالجة؟
أنا موافق على هذا الأمر لكن التشخيص ينبغي أن يبدأ من منطلق من أين جاءت المشكلة وليس ممن جاءت. الدولة عليها واجب ينبغي أن تؤديه، والإعلام عليه واجب ينبغي أن يؤديه - ولا تقولوا أن الإعلام هو الدولة لأننا دخلنا مرحلة الآن لم تعد وسائل الإعلام محصورة على الدولة ولا مقتصرة عليها، وهناك أبحاث في هذا الموضوع طويلة أنتم أعلم بها مني - العلماء عليهم مسؤولية، ورجال الأعمال وأصحاب المال عليهم مسؤولية، والأكاديميون والمعلمون عليهم مسؤولية.
دعونا نبدأ نطرح السؤال من الناحية الأخرى وبدل أن نقول من هو المسؤول عن هذه المشكلة نبدأ نسن سنة جديدة.. ما هي مسؤوليتي تجاه هذه المشكلة؟ الصحفية تسأل نفسها ما هي مسؤوليتي تجاه حل هذا الإشكال، والداعية يقول ما هي مسؤوليتي تجاهه، والحاكم يقول ما هي مسؤوليتي تجاهه، بدلاً من أن يجلس كلٌ منا وهو متكئ مرتاح ويقول هؤلاء هم المشكلة وهم السبب وهم الخطأ، ويشعر أنه أدى الدور لأنه صريح وعرض نفسه للمسألة وللتحقيق لأنه تكلم بكلمة جريئة وخلاص جاهد وانتهت المسألة..!
في الحديث الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" [رواه أبو داود والترمذي]، قال كلمة حق عند وليس على، وهناك فرق كبير بين من يستعرض عضلاته على المنبر- مسجد أو إعلام أو غيره - ليرائي الشعب بشجاعة يبرزها في التهجم على الحاكم، وبين من يجلس إلى جانب الحاكم بأدب واحترام ويخاطبه كما قال تعالى: "وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا".
أليس بحسب الأنجع، فإذا كان هذا الخطاب الودي مع الحاكم لم يؤثر وكان أكثر تأثيراً مع الشعب؟
لكن نحن جربنا الشعب سنوات كثيرة، واستغلت هذا الأحزاب المتعلقة بمعارضة الحاكم وبعضها وصل مدة للحكم فما أصلحت شيئاً، بل كررت مشكلة الحاكم نفسها، ولم تجلب لنا شيئاً. فبدلاً من أن نحول عواطف الشعب الغاضبة أو المتبرمة من الأخطاء الموجودة إلى مطية يصل بها آخرون يكونون هم جلادينا الجدد، ينبغي أن ننظر بنظرة أخرى، تعالوا نتكلم عن دورنا نحن.
دخل أحد الوعاظ على المأمون ووعظه بطريقة جريئة فيها تهجم- ولعله صادق في إرادة التقرب إلى الله لكنه نقص في الوعي- فتبسم المأمون وقال على رسلك فقد أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني،،أرسل هارون وموسى إلى فرعون وأمرهما بقوله: "فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً".
هذا منهج النبوة، فبدلاً من أن نضيع الوقت في تجارب بعيدة عن المنهج النبوي تعالوا نعود مرة أخرى إلى المنهج النبوي. كيف كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصدع بكلمة الحق أمام الظلمة؟ هل كان بالسب واللعن والشتم والتحريض والاستثارة؟ أو كان بالتي هي أحسن، أو بالموعظة الحسنة أو كما قال الله "وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا"؟ هل كان يجرح بأسماء ويصرح بالتهجم عليها أو كان يقول ما بال أقوام؟ أيهما كان الغالب على خطابه؟
أيضاً ينبغي أن نفهم أن أي حاكم في أي أرض أفرزه الشعب الموجود في تلك الأرض، فهو لم ينزل بمظلة من السماء، بل هو إفراز للواقع الذي نعيشه، على أن العديد من حكامنا وأقولها بكل طمأنينة وبدون قلق لديهم قابلية كبيرة للخير. إن كثرة المصاعب والهموم التي تعيشها الشعوب اليوم، جعلت النخب الصادقة من بينها، وقد كثر تململها من تملق النخب المداهنة، لا تستطيع استجلاء أوجه الخيرية الموجودة عند حكامها، الذين لا يوجد عندهم شر مطلق، بل شر مختلط بخير. فإلى أي مدى اجتهدنا على الخير الموجود في نفسية الحاكم لينمو ويتسع؟ كم من الجهود بذلنا في هذا السبيل؟ لقد مكث سيدنا موسى وسيدنا هارون عليهما السلام أربعين سنة يحاولان مع فرعون قبل أن يهلكه الله. فأي محاولات جادة بذلناها فيها شيء من إنصاف الحاكم؟
الحاكم وقع بين مشكلتين: مشكلة المداهن الذي يصفق له على كل شيء ويرائيه ويشعره أنه دائماً على صواب، ومشكلة المعارض الناقم دائم التهجم الذي لا يثني على أي خير ولو كان موجوداً في الحاكم؛ بل إنه يتهم كل من يثني على أي خير موجود في الحاكم بأنه منافق. ردود الأفعال أو الانفعالات هذه ينبغي أن لا تأسرنا، فالحديث عن إشكالاتنا اليوم أو في تناول حلها.
ما رأيك في الانتخابات كآلية لتغيير الحاكم؟ دون أن نحتاج إلى خمسين سنة لإصلاحه أو يحتاج هو خمسين سنة لإصلاحنا؟
اسألوا الذين خاضوها.. هل نجحوا؟
هل هناك تصور لآلية أخرى لإدارة الشؤون العامة؟
لست ضد الانتخابات ولست مؤمناً بأنها الوسيلة الوحيدة أو الكافية للتغيير.
فيما يتعلق بنظام الحكم؟
حتى نظام الحكم، في الدول المتقدمة التي تدندن لنا بالانتخابات ولسنوات طويلة وتتغنى بالانتخابات، هل الغلبة والفوز في الانتخابات لأصحاب المشاريع النهضوية في البلد أو أصحاب القدرة على تمويل الحملات الانتخابية؟!
هل لديك تصور كيف يجب أن يكون نظام الحكم وتداول السلطة إن صح التعبير؟
ليس لدي تصور، أنا لست بصاحب اختصاص في هذا الأمر ولم آخذ قسطاً كافياً من القراءة في هذا الأمر حتى أجيب، ولا أراني أحترم الكلام الذي قلته سابقاً إذا اقتحمت شيئاً لم أتخصص فيه، آن لعليّ أن يقول لا أعلم.
ما علاقة الدين بالسياسة؟ أين يتفقان وأين يفترقان؟
للدين علاقة بكل شيء - سياسية واقتصاد واجتماع - يتفق معه في إطار الارتقاء بالإنسان في أدائه لمهمته على هذه الأرض التي استخلفه الله تعالى عليها، وتحققه بعبوديته لله وعبادته له؛ ويختلف معه عندما يبدأ أي اتجاه، سياسة أو اقتصاد أو اجتماع، في محاولة استغلال الدين لمشروع من المشاريع التي يتبناها.
أين تتفق وتختلف مع توجه والدك الأستاذ عبد الرحمن الجفري ودوره كرئيس لأحد الأحزاب السياسية اليمنية؟
سيدي الوالد حفظه الله تعالى أتفق معه في المبادئ والأخلاقيات التي عاشها ولا يزال يعيشها ويدفع ثمن أنه ملتزم بها ويعيشها والتي أثرت فيّ منذ الصغر قبل أن ألقى أشياخي من العلماء الأكابر، واتفق معه في همه الذي يحمله بصدق تجاه بلده وتجاه الأمة، وأختلف معه من حيث أداء الدور بأنني لا أؤمن بأن لي دوراً في الميدان السياسي، لا انتقاصاً من الميدان السياسي لكنه ليس مجالي.
من باب التخصص وليس من باب الإنكار؟
من باب التخصص وليس من باب الإنكار عليه، وقد يختلف معي البعض في أني أنكر على صاحب الاختصاص العلمي الشرعي أن يتحول من ناصح أو مرشد أو موجه للعمل السياسي إلى منافس في العمل السياسي، لأن العالم عندما يتحول إلى منافس في حلبة العمل السياسي يتحول معه الدين والعلم إلى منافس، فبدلاً من أن يستفيد كل طرف من الأطراف السياسية من توجيه الدين ليرتقوا بالسياسة يتحول الدين إلى منافس في حلبة الصراع السياسي، فيتحول من لم يكن عدواً للدين بالأمس إلى محارب للدين، لأن منافسه اليوم ينافسه باسم الدين وهذا رأيناه جلياً في ساحاتنا.
البعض يعتقد أن هذا هروب؟
أحترم اعتقاده وأختلف معه فيه، فله الحق في أن يعتقد ذلك ما دام هذا رأيه، وكنا نتكلم عن التنوع، وأنا أحترم رأيه، لكني لا أظنه هروباً.
هو خيار مبني على رؤية.
هو كذلك، أثبت الواقع أن دخول عدد من العلماء في ميدان التنافس السياسي حط من قيمة الخطاب الإسلامي في مجتمعنا، وصل الخطيب إلى حدّ أنه إذا صعد المنبر وتكلم قالوا هذا من أجل حزبه، فأصبح الدين جزءاً من حزب بعد أن كان الدين سقفاً ومظلة وهداية وتوجيهاً لكل شيء.
ملاحظة
- اللقاءات المنشورة كاملة كما تم اجرائها، وقد يكون أجري عليها بعض الحذف والتغيير أثناء النشر.
