موقع الداعية الإسلامي الحبيب علي الجفري
حجم الخط: -=+

حوار فكري شامل مع صحيفة المصدر اليمنية (2)

الثلاثاء ٢٧ مايو ٢٠٠٨ - ٢٢ جمادى الأولى ١٤٢٩

صحيفة المصدر

27

رضية المتوكل - عبد الرشيد الفقيه

مقدمة

ما حدث في الدنمارك محاولة للحد من وجود الإسلام كصوت قوي في صناديق الاقتراع مستقبلاً...للأسف تصرفات كثير من المسلمين ساهمت في تشكيل الرسوم الدنماركية...وسائل إعلامنا اليوم تصنع وتمجد التطرف من حيث تقصد أو لا تقصد...مجتمعنا تخلف كثيراً عن ديننا، وأحياناً باسم الدين...قد تنطوي المرأة المسلمة غير المحجبة على كثير من الفضائل، قد لا توجد عند بعض المحجبات
لا ينبغي النظر إلى غير المحجبة على أنها مجردة من دينها، متجردة من مبادئها... ينبغي أن يكون للمرأة نشاط في العمل السياسي والمجتمع المدني...يجب ألا يتحول الحديث عن دور المرأة إلى مصيدة تُجرد فيها من الاعتراف والتقدير لدورها كأم وزوجة

هناك قراءات كثيرة تقول بأن قضية الرسوم الدنمركية كانت مفتعلة واستكملت لصالح أطراف عديدة سياسية تجارية، لماذا أثيرت برأيك؟

- هي أثيرت لقصد معين لم تكن عشوائية ولم تكن عفوية وليست الأولى وليست الأخيرة.

*حول الاستثمار السياسي والاقتصادي؟

- السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، هناك توجه واضح لم يعد مخفياً ولم يعد سراً لدى اليمين المتطرف في الغرب إلى إيجاد نوع من الرعب من الإسلام والرفض له في المجتمع الغربي، وذلك لمحاولة الحد من انتشار الإسلام وإن بالولادة، في الغرب أولاً، تم بعد ذلك لمحاولة إيجاد تبرير مشروع لدى نفوس الشعوب الغربية لقبول أي هجمات أو ضربات على أرض الإسلام. فعندما يرسخ في نفوس الشعوب الغربية بأن المسلمين مجموعة حثالة من المتطرفين المجرمين الوحوش لا يأسى أحد عليهم إذا ضربوا بقنبلة نووية أو إذا احتلت أراضيهم أو إذا أزهقت أرواحهم، فهناك من يستثمر في هذا الأمر، هذا المعنى يندرج تحته مقاصد سياسية تتعلق بتقسيم الخارطة السكانية بعد 50 سنة في أوروبا والخوف من وجود الإسلام كصوت قوي في صناديق الاقتراع غداً. وله أبعاد اقتصادية تتعلق بتشغيل مصانع السلاح الكبرى في ظل الحروب المفتعلة الموجودة في المنطقة. وله أيضاً ارتباط بتوجهات اجتماعية تتعلق بتخوف شريحة واسعة من مثقفي الغرب من المدخل الإسلامي على الهوية الغربية اليوم وتأثيره في الثقافة الغربية ومحصلة نتاج التطور الفكري الإنساني الغربي. ومن ناحية أخرى، ربما يكون المسلمون ساهموا في ذلك بطريقة سلبية إذ إن الإسهام الحضاري للمجتمع المسلم في الغرب اليوم لم يرق إلى المستوى الذي يجعل النخب الغربية المثقفة المنصفة وغير المتعصبة ترى في الإسلام إضافة حضارية للحضارة الغربية وللثقافة الغربية. فهي عدة عوامل إذاً.

*هناك سيناريوهات تشير إلى مصالح لتجار مسلمين؟

- وهذا نوع يلحق بالمشكلة لكنه أصغر من حجم اللعبة التي أتكلم عنها. نعم ربما تكون بعض الشركات أرادت أن تضرب بعض البضائع الدنمركية، وبعضها غير دنمركية، ونشرت رسائل إلكترونية ورسائل جوال، فيها قوائم أسماء بضائع بعضها ليس لها علاقة بالدنمارك لا من قريب ولا من بعيد، لكن الشركة المنافسة تريد أن تضربها في السوق، وهذا مستوى رخيص من استغلال الدين والعاطفة الإيمانية في قلوب الناس، وبالمستوى الرخيص نفسه الذي يشمئز منه كل عاقل يحصل اليوم في الإطار السياسي الإسلامي، وفي الإطار الحزبي الإسلامي، وفي الإطار الطائفي الإسلامي، وعلى نفس الوتيرة، استخدام الكذب، واستغلال للمواقف وركوب الموجة، والمزايدة على القضايا، وهذه إشكالات موجودة اليوم في مجتمعنا.

*ردود الفعل الشعبية والرسمية كيف تقرؤها؟

- كثيرة منها راشدة متعقلة، في الأزمة الأولى في الدنمارك، ينبغي أن ننصف حكوماتنا بأن موقفها كان جيداً راقياً قوياً يمثل خلفية الشعوب الإسلامية من حيث المبدأ. هناك مواقف كانت جلية وواضحة، من ناحية الشعوب فقد أثبتوا بجدارة حبهم لرسول الله وأن الوحيد الذي يمكن أن يوحد هذه الأمة هو سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. رأينا في تلك الأيام الطوائف مجتمعة، التيارات مجتمعة، حتى الذين يعدون أنفسهم في الجانب المواجه أو المقابل أو المعارض للطرح الإسلامي تحركت عاطفتهم لأنهم مسلمون تجاه رسول الله، فظهر معنى توحيد النبي للأمة في مثل هذا الموقف. هذه نواحٍ مشرقة، ومنها أيضاً حملات التعريف بالنبي بأسلوب راقٍ قام بها البعض، ومنها ما استُثمر في إحياء محبة النبي في قلوب الأمة.


    وفي المقابل حصلت أيضاً تصرفات كثيرة لا ينبغي أن تصدر عمن عندهم حب لرسول الله أو غيرة عليه أو متابعة لشرعه، مثل حرق السفارات والأعلام والصراخ والسب والشتم والتعبير بأسلوب مقذع، ينبغي أن لا تكون تصرفاتنا متعجرفة أو متخلفة أو مخربة بحيث تؤكد ما يقولونه أو يحاولون إلصاقه برسول الله – حاشاه صلى الله عليه وآله وسلم - بل ينبغي أن تكون بحجم المسؤولية تدل على خلاف ما حاولوا أن يرسموه من صور عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.


    أيضاً للأسف من الأمور السلبية التي كشفت عنها هذه الإشكالية أنه لا يزال العديد ممن يتولون زمام توجيه الشارع في الخطاب الإسلامي يعيشون إشكالية الذاتية أو الحزبية أو الفئوية أو حراسة دورهم في توجيه الشارع بحيث لا يقبلون أن يكون لأي أحد دور إلا من خلالهم، وهذه بعض المجسات التي لاحظتها في هذا الأمر. وأسفرت أيضاً عن نقص كثير في أدبيات التعريف بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ونقص ترجمات راقية لهذه الأدبيات تخاطب قلوب وعقول وثقافات العالم اليوم.

*حول حرية التعبير بالنسبة للمجتمع الدنمركي، هم يعتبرون حرية التعبير مطلقة ومقدسة، فهل من حق المسلمين فرض قيود على حرية التعبير؟

- لا توجد حرية تعبير مطلقة أبداً، لا توجد دولة في العالم لديها حرية التعبير مطلقة، كل دولة من دول العالم لديها نوع من الاستثناءات والضوابط والقيود تتعلق بحرية التعبير، الولايات المتحدة التي تتكلم عن الحرية، وبريطانيا وفرنسا وهولندا والدنمارك، إلا أن معايير وضع ضوابط لحرية التعبير نسبية ومتباينة ومختلفة باختلاف ظروف كل بلد.


    مثلاً في الدول التي شاركت في الحملات النازية الظالمة على اليهود في وقت من الأوقات - وأنا أعرف أن هذه العبارة الأخيرة قد لا تروق لكثير من الشباب المسلم، نعم كان هناك ظلم وبغض النظر عن حجمه، ومن العيب أن يكون عندنا من ردود الفعل ما يوحي للعالم أننا نبرر أو نوافق على هذا الظلم، بل هذا إجحاف لمخزون وموروث راقٍ تجلى في عصر من العصور عندما جنى بعض رجال الدين المسيحي على اليهود في أوروبا وآذوهم واضطهدوهم وذبحوهم، فكان الذي آواهم هو السلطان سليمان القانوني وأجرى عليهم أحكام أهل الذمة وأمنهم، فلا نتحول نحن الذين كنا نلقن العالم دروس التعاون إلى وحوش - فالدول التي مارست المحرقة أو أيدت المحرقة في وقت من الأوقات وضعت سقفاً للحرية فيما يتعلق بالمحرقة، وبعض الدول اتفقت معها على ذلك، وليست الدنمارك منها فلا يوجد في الدنمارك قانون معاداة السامية يحدد الحرية في ذلك، لكن يوجد أيضاً في الدنمارك رفض لأي نبرة عنصرية سواء ضد اليهود أو ضد المسلمين، لكن أيضاً هناك في المقابل سقف للحريات يستثني أي تأييد للنازية، فأي شخص يوجد في كلامه ما يفيد التأييد للنازية أو حتى يشير بإشارة النازية بيده يحاكم ويعاقب. أين حرية التعبير هنا؟

    إذاً مبدأ وضع قيود على حرية التعبير موجود في الثقافة الغربية. بعض الدول التي لاحظت اضطهاداً للسيخ سنت قانوناً يحد من حرية التعبير في الكلام عن السيخ، فرنسا سنت قانوناً يحد من حرية التعبير في الكلام عن مأساة الأرمن- الذين يدّعون أن الأتراك قد مارسوها تجاههم- ولا تزال قوانين جديدة تسن للحد من حرية التعبير. إذاً هناك مساق ومسار يمكن أن يوجد شيئاً من الضوابط لاحترام ثقافة المسلمين في ذلك، لكن الإشكال ليس في إمكانية هذا الأمر، وإنما في تطرفين، تطرف عند بعض الأوروبيين الغربيين الذين يسمحون بأي نقاش يتعلق بوضع ضوابط لحرية التعبير عن الرأي إلا إذا تعلق الأمر بالمسلمين، فهم ليسوا عندهم ببشر ولا بأناس يستحقون أن يحترموا.

    وفي المقابل يوجد عندنا نوع من عدم الاستبصار في كيفية الوصول إلى النتيجة المأمولة، وإيجاد ضوابط لحرية التعبير تفرق بين الإهانة والكذب والتدليس وبين التعبير عن الرأي، إذ يمكن أن يصل المسلمون إلى ذلك في أوروبا حتى في الدنمارك، لكن ما هكذا تورد الإبل، وطريقة عمل المسلمين اليوم لا تؤدي إلى هذه النتيجة، فهم يحتاجون إلى خطوات عملية معينة مدروسة وواعية تصل إلى وعي الشعب الدنمركي، ما يشعرهم بضرورة هذا الأمر.

    وعلى سبيل المثال، كنت في اجتماع طاولة مستديرة في لندن - قبل أن أذهب لألقى أخي الأستاذ عمرو خالد وأخي الدكتور طارق السويدان في الدنمارك، وقد مررت ببريطانيا إذ كان عندي محاضرة بعنوان رسول المحبة ورسوم الكراهية - وهذا الاجتماع حضره مجموعة من الصحفيين يمثلون عدداً من الصحف البريطانية وبعض منظمات الحريات ومنهم دعاة حرية التعبير عن الرأي وحقوق الإنسان، وحضر شخص أيضاً من الكنيسة الإنجيلية، وقد ووجهت بالقول من بعضهم أنه ليس من حقك أن تطالبني باحترامك فأنا لم أعد أحترمك، وماذا بعد؟

    ولكن عندما بدأت أتكلم معهم من منطلق آخر، وقلت أنا أحترم قرار تجريم التشكيك في المحرقة من خلال رؤية إنسانية بأننا لا نريد إعادة هذه المحرقة، فقالوا أوَتحترم هذا الأمر؟ قلت نعم، لكنني أسألكم، هناك بداية محرقة جديدة في أوروبا، لكن ضحاياها اليوم ليسوا اليهود وإنما هم المسلمون، البوسنة والهرسك وكوسوفا وما حصل فيها من قتل عرقي لأنهم مسلمين - ما يسمى بالإسلاموفوبيا (أو رهاب الإسلام) وتناميها- أليست هذه المقدمات تبيح للعقل والضمير الأوروبي المستنير العاقل المحايد أن يعيد النظر في هذا الأمر؟

   وجدت موافقة لدى عدد منهم وتحولت الموافقة إلى شيء عملي، إذ بعد أسبوعين كانت هناك مظاهرة للمطالبة بالحفاظ على المنجز الذي توصلت إليه أوروبا بشأن حرية التعبير عن الرأي، وكان هناك بعض المتطرفين الذين أرادوا أن يلبس العديد من المتظاهرين قمصان عليها بعض تلك الرسوم المسيئة، وكان في إدارة هذه المظاهرة بعض الصحفيين الذين حضروا اجتماع الطاولة المستديرة ذلك فشكلوا ضغطاً لمعارضة هذا الأمر، وقالوا كنا نظن أن المسألة تتعلق بحرية التعبير عن الرأي، ولكن وجدناها تتعلق بالإهانة ونشر الكراهية ضد المسلمين، وهذا لا نقبله، وحصلوا بالتصويت على قرار بمنع هذا الأمر، وسلموا للشرطة هذا القرار بمنع أي متظاهر أن يلبس هذه القمصان.

   إذاً هناك آلية، هناك شيء في حدود الإمكان، لكن المسلمين لا يعملون اليوم بهذا الاتجاه الذي فيه تبصر إلا فيما ندر، الغالب يعمل بطريقة التهجم والصراخ والصياح والاتهام والنظر إلى الأوربيين ككتلة واحدة ضدنا، وكأنهم رأي واحد وفكر واحد، وتكتيل المسلمين أيضاً على هذا النحو لكن في رؤية ضدية تصارعية؛ وهذا الذي ينبغي أن يعالج.

* لماذا لم يتجه المسلمون ورموز الخطاب الديني تحديداً لمحاسبة من رسم الصور المسيئة عن رسول الإسلام – جماعات وأفراد وخطاب _ في ذهن الرسام الدانمركي؟

- من الذي رسمها في ذهن الرسام؟

* نحن المسلمين.

- للأسف تصرفات كثير من المسلمين ساهمت في هذا التشكيل لهذه الرسومات، وقد حصل أن عدداً من العقلاء وجهوا هذا الخطاب، ولكن في خضم الصراخ والضجيج يحتاج هذا الصوت إلى وقت وجهد إلى أن يصل إلى أذهان الناس.

* هل تحمّل طرفاً معيناً المسؤولية؟

- أحمل نفسي جزءاً كبيراً من هذه المسؤولية، هناك أوجه من التقصير التي قد أكون ارتكبتها، لهذا أخاطب نفسي من الغد أن تسعى إلى معالجة ذلك، وأنتظر أن تحمّلون أنتم أيضاً أنفسكم جزءاً من هذه المسؤولية. لنبدأ مسيرة تصويبية.

* هل تحمّل القاعدة مثلاً الجزء الأكبر من مسؤولية تسويق الإسلام بهذه الطريقة؟

- متى أسست القاعدة؟

* الذهنية الغربية لم تعرف الإسلام إلا عن طريق بن لادن والزرقاوي.

- طيب خذ مني تصريحاً فيه وضوح وليس فيه دبلوماسية كما يقولون، لا شك أن في الكثير من سلوكيات ’القاعدة‘ العملية إساءة واضحة وجلية للإسلام ومخالفات كبيرة للشريعة، هذا لا يختلف عليه العقلاء اليوم، بل ومخالفة للقيم الإنسانية التي فطر الله الناس عليها وهذا ليس محل نقاش، ولكن محل النقاش هو مَن الذي أبرز ’القاعدة‘؟ كلنا ساهمنا في ذلك، وعوضاً عن البحث عمن نقدمه قرباناً للمذبحة أو للمشكلة ينبغي أن نبحث عن دورنا، كم مرة كتبت إعلامنا عن تصريحات القاعدة؟ وكم مرة نشرت وسائل إعلامنا تصريحات زعماء القاعدة؟ وكم مرة نشرت تصريحات المعتدلين من علمائنا؟ إذاً جزء من المسؤولية يقع على وسائل الإعلام التي ساهمت في جعل قيادات القاعدة رموزاً.

     لا أتكلم عن وسائل الإعلام الغربية فحسب، فنحن نعرف أن العديد منها يتبع توجهات متطرفة يمنية تريد تكريس هذه الصورة عن الإسلام في مجتمعها، أنا أتكلم عن وسائل إعلامنا نحن، وأسألكم أنتم كشباب تعملون في الإعلام هل سمعتم عن شخص اسمه أبو حمزة المصري؟ بالتأكيد.. وهل سمعتم عن شخص اسمه زكي بدوي؟ زكي بدوي خدم الإسلام في بريطانيا لمدة ثلاثين سنة واستطاع أن يوجد عند شريحة واسعة من أصحاب القرار البريطاني صورة جيدة عن الإسلام، ونجح مع مجموعة أخرى في أن يوجد احترام داخلي للإسلام من خلال القوانين والتعاملات، وتوصلوا إلى تصميم زي بحجاب للشرطية المسلمة في بريطانيا، ومع هذا لم نسمع عن زكي بدوي، وتوفي زكي بدوي وهو يلقي خطاباً، يعني إلى آخر لحظة وهو في الثمانين من عمره يخدم الإسلام، لكن الكبير والصغير سمع عن أبي حمزة المصري الذي كان في يوم من الأيام يعمل (بودي جارد) في ملهى أو في أي مكان، ولا أحط من قدر أحد، ومن تاب تابَ الله عليه، لكن كيف تحول إلى موجه ومرشد؟

   وسائل إعلامنا اليوم تصنع التطرف، وتمجد التطرف، من حيث تقصد أو لا تقصد، ربما أحياناً من خلال الإثارة لأن أولويات الخبر الإعلامي تترتب على حسب الإثارة، فكما يقولون ليس الخبر أن تقول أن كلباً عض إنساناً، لكن الخبر أن تقول أن إنساناً عض كلباً. قد يكون من هذا الباب وقد يكون من غيره.. لكن هناك مساهمة في هذا الإجرام، وإن تخوف كثير من العلماء والدعاة من أن يصرحوا بوضوح بأن هذا باطل وهذا حق، خوفاً من أن يغضب عليهم الشارع ويتهمهم بأنهم جزء من المشروع الأمريكي وأنهم يداهنون الحكام، جعل الكلام عن المتطرفين محل خوف وتردد.

    إذاً هنا تقصير ينبغي أن نتكلم عنه بوضوح وأن يعالج. إن محاولة بعض الأنظمة الحكومية إشغال الشعوب عن مشاكلها الحقيقية بمشاكل هؤلاء لتخدير الشعوب فترة أو لإشغال الشعوب فترة، نوع أيضاً من المسؤولية؛ فينبغي - و للمرة الثالثة أكرر في هذا اللقاء - أن نخرج من حيز الاحتباس عن البحث عمّن نحمله مسؤولية ما يجري إلى البحث عن مساحة مسؤولية كل منا فيما ينبغي أن يحصل، وهذا الذي نحتاج إليه.

* كيف تنظرون إلى إعادة نشر الرسومً في عدد من وسائل الإعلام، وأيضاً إعادة نشر الرسوم مؤخراً في أكثر 17 صحيفة؟

- أولاً قبل الإجابة على هذا السؤال أريد أن أذكر وألفت نظر من لم يعلم من قبل أن هناك عدداً من الحوارات حصلت مع الدنمركيين وأن أكثرها كان مثمراً، وأن من ثمارها أنه عندما تم الاعتداء الثاني الذي حصل من شبيبة حزب الشعب الدنمركي، وهو حزب يمكن القول بأنه متطرف، عندما عرضوا بعض الأشياء السيئة، كان أول من رفضها وتصدى لها هو مجلس الشباب الدنمركي- وهو أعلى مظلة للاتحادات الشبابية الدنمركية يستظل تحت مظلتها 800 ألف شاب دنمركي، وتضم أكثر من 70 اتحاداً شبابياً- هم الذين عارضوا هذا، وهم الذين كانوا معنا في الحوار، فالحوار أثمر أشياء إيجابية أمامنا ومحسوسة غير أن إعلامنا لم ينقلها.

     وفيما يتعلق بإعادة النشر الأخيرة لعل الكثيرين لم يقرؤوا خبراً مفاده أن الشرطة الدنمركية ألقت القبض على عدد من الشباب المسلمين بتهمة التخطيط لاغتيال الرسام، سواء حصل فعلاً أن حاولوا ذلك أم لم يحاولوا، فهذه هي الصورة التي نقلت إلى المجتمع الصحفي الدنمركي - وبين قوسين: في أيام الأزمة الأولى انتشرت رسائل جوال بكثرة تقول: "أبشروا فقد وجد الرسام محروقاً على الرصيف"، وكأنها بشارة..! من قال إنها بشارة؟ وتلقاها كثير من المسلمين قائلين: حمداً لله، هذا نصر الله. لم يتوثقوا من الخبر، والخبر ليس بنصر لأن هذا سيجعل القضية تتركز بشكل أبشع وأشد، إذاً توجد عندنا نفسية التخطيط لقتل الرجل، يوجد عندنا هذه النفيسة في عدد من صفوف أبنائنا.

     عندما تأتي إلى مجتمع يقدس حرية التعبير عن الرأي، ويخبر بأن هناك من يريد أن يقتل من رسم هذه الرسومات، هم لا يستطيعون أبداً تقبل فكرة أن يقتل رجل من أجل الرسم، هذا غير وارد في ثقافتهم، فحصلت ردة فعل لهذا الأمر وهو إعادة نشر الرسوم مرة أخرى. العمل قبيح وسفيه وسيء بكل المقاييس والمعايير، لكن ينبغي أن نتنبه إلى أنه نتيجة سيئة لمقدمة سيئة.

    أيضاً لا بد أن نلاحظ أن هناك صحيفتين أو ثلاث صحف من التي نشرت الرسوم مؤخراً كانت قد اعتذرت في المرة الماضية عن نشر الرسوم ورفضت ذلك؛ فالتي كانت بالأمس ترفض أن تنشر الرسوم قررت النشر بسبب هذه الحادثة. ملاحظة أخرى بين قوسين لوسائل الإعلام.. لماذا لم تنقل وسائل الإعلام بقدر واضح وكافٍ أن شريحة من الشباب الدنمركي غير المسلم رفض هذا التصرف الإعلامي وأسس أحدهم موقعاً على الانترنت عنوانه (عذراً محمد)؟! لماذا فقط تنقل أوجه القبح من المتطرفين لنتحول نحن إلى متطرفين في مقابلهم.

*هل لأن هناك من يريد أن يفسد العلاقة بين المسلمين والدنمارك؟

- بالتأكيد هذا موجود ولا شك فيه، لكنني أتكلم عن وسائلنا نحن، الوسائل التي أظهرت الغيرة وصاحت بأن الدنمركيين فعلوا وفعلوا، لماذا لم تنشر أن من الدنمركيين من غير المسلمين نشروا اعتذاراً واعتبروا هذا العمل سفيهاً وطفولياً وأنه يسيء إلى حرية التعبير؟ لماذا لا يقرأ الإنسان العربي ويشاهد ويستمع في الإعلام ما يلفت النظر إلى أن الإساءة لم تصدر عن الدنمارك كلها؟

    هذه شرائح أساءت في الدنمارك وشرائح أخرى في المقابل رفضت هذه الإساءة؛ وأنا أشكر هنا تلفاز أبوظبي وموقع إسلام أونلاين لأنه نقل هذا الخبر، لكن كم وسيلة إعلام نقلت خبر قيام شاب دنمركي بإنشاء موقع باسمه وصورته على (الفيس بوك) اسمه’عذراً محمد‘ وأن تسعة آلاف من الشباب هناك قد أيدوه؟

*ألا ترون أن هناك مفارقة مؤلمة أنه في الوقت الذي تنتهك فيه كل مبادئ هذا الرسول -من قتل وظلم- لم يستفز العرب لا رسمياً ولا شعبياً لكن رسم الرسول استفزهم إلى هذه الدرجة؟

- أحسنت وأنا أوافق تماماً على كلامك، لا شك أن رفضنا للرسومات المسيئة شيء ينبغي أن يكون، لأن وجود أدنى غيرة في القلب ومحبة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ينبغي أن يحصل بسببها تضايق وتأثر من هذا الفعل، لكن أيضاً في المقابل لماذا لم تحصل غيرة على مبادئ رسول الله وأخلاقه ضد الذين ينتهكونها بتصرفاتهم المتطرفة من قتل وحرب وإساءة وإهانة، وكذلك ضد من ينشرون الرذيلة بيننا.

* ولو كان الرسول بيننا ما الذي كان سوف يستفزه أكثر الظلم أم الرسم؟ الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني فعلوا فينا الكثير ولم يستجب الناس لدعوات مقاطعة منتجاتهم كما حدث مع الدنمارك.

- هنا أختلف قليلاً معك من جهة، فالمسلمون صادقون في التعبير عن ردود أفعالهم في الحالتين لكن الذي حصل يلفت النظر إلى جزئية مهمة بإيجابية، وهذا من الكلام الذي ذكرناه للدنمركيين ولغيرهم، قلنا لهم نحن كل يوم أبناؤنا يقتلون في فلسطين ويعتدى عليهم، لكن ما تحركت قلوب المسلمين كما تحركت بسبب ما نشر من رسوم تسيء للرسول، نريدكم أن تفهموا أن هذا المعنى عندنا أقدس من حياتنا، نريدكم أن تعوا أن رسول الله عندنا أعظم من أراضينا ومن أرواحنا ومن أنفسنا، وذكرت لهم قصة السمراء بنت قيس رضي الله عنها، التي قتل ولداها في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولما جاء يعزيها ويخفف عنها قالت يا رسول الله لرؤية النقع - أي الغبار - على وجهك أشد علي من قتلهما، فكانت مفاجأة بالنسبة لهم، وصحفية من صحيفة (جارديان) غطت وجهها وكادت تبكي لما ذكرت هذه الرؤية؛

    فمن الطبيعي أن تكون غيرة المسلمين على المساس بما له صلة بالنبي أكبر من غيرتهم على ما يمس أرواحهم وأراضيهم ودماءهم. لكنني كنت فهمت السؤال من جهة أخرى، أنه ينبغي أن نغار على أخلاقيات الرسول ومبادئه التي تنتهك من قبلنا نحن.

    وإذا كان رسول الله موجوداً بين ظهرانينا بجسده وروحه صلى الله عليه وآله وسلم يسعى على هذه الأرض فستكون غضبته على من ينتهك الحرمات باسم الإسلام أو من يظلم المرأة باسم التدين أو من يسيء إلى الجار باسم الغيرة على الدين أو من.. الخ.. أشد بكثير على غيرته وغضبه على من يسيء برسم أو بغيره والأمثلة على ذلك مستفيضة في السيرة العطرة.

* نحن نقصد غيرته ضد الظلم بشكل عام سواء منا أو من غيرنا.

- غيرته ضد الظلم بشكل عام موجودة لكن غيرتنا على رسول الله أكبر من غيرتنا على دمائنا وهذا شيء إيجابي، دماؤنا كأمة تذهب ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يمسّ، هذا شيء راقٍ في الأمة.

* ألم يبعث الرسول من أجلنا نحن؟

- هو من جهته يود أن يفدينا بنفسه، يود أن ندخل الجنة ويتحمل التعب من جهته، لكن أيضاً في المقابل ماذا من جهتنا نحن؟.

* لكن أليست رسالة الله ورسوله هي كرامة الإنسان ومصلحة الإنسان؟

- وتعظيمنا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو تعظيم لكرامة الإنسان لأنه مثال الإنسان الكامل، فحبنا لرسول الله وتعلقنا بجماله وتعظيمنا له هو معاملة مع اختصاص الله عز وجل لهذا النبي بأن يكون هو مظهر الإنسان الكامل، ولأنه أنموذج الإنسان الكامل في هذا الوجود فينبغي أن يحافظ على هذا النموذج من أجل البشرية والإنسانية، ولهذا ربط النبي حبه بالإيمان، هو غني عن حبنا له.. الله قد أحبه، لكنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يؤمن أحدكم - أي لا يكمل إيمانه - حتى أكون أحب إليه من نفسه.

* ألا ينبغي أن يكون حب الرسول الحقيقي بتطبيق مبادئه وليس بالغضبة العاطفية ضد من أساء إليه؟

- حب الرسول بالغضبة العاطفية موجود وهو صحيح ما لم يتعد حدود وآداب ما شرعه لنا في التعبير عنها، وحب الرسول في الثبات على مواقفه. وهنا مسألة.. أحياناً عندما نرى أن هناك تقصيراً في اتجاه قد نحمل - لا شعورياً - لمحاولة تدارك هذا التقصير على شيء آخر لا ينبغي أن نقصر فيه، وبدون وجود العاطفة القوية لا يمكن أن تشيّد المبادئ والأخلاق والقيم، فلا ينبغي لتشييد صرح المبادئ والقيم أن نحط من قدر العاطفة الجياشة لأنها الطاقة التي تحركنا نحو المبادئ والقيم، لكن ينبغي أن نوجه العاطفة الجياشة إلى المبادئ والقيم، فلا نقول لا تعيشوا العاطفة وعيشوا المبادئ بل نقول لهم أن يوجهوا العاطفة للمبادئ، ونتوجه للتعريف بالنبي سلوكاً وقولاً حتى لا يتجرأ عليه أحد بعد ذلك.

     وأريد أن أقول شيئاً قبل أن تغلقوا هذا الملف، وهو أن الإساءة التي صدرت من بعض الصحف الدنمركية سابقاً ولاحقاً ليست هي الوحيدة التي تعرضنا لها والتي سنتعرض لها، مر مسلسل من الاستفزازات ابتدأ بسلمان رشدي في العصر الحديث مروراً بمحاضرة البابا والفيلم الهولندي والفيلم الآخر الذي ظهر مؤخراً، ولن تنتهي.. وستأتي كل يوم استفزازات متوالية، فلا نريد أن نتحول إلى أناس مشتعلين (كالمتفرقعات) فنحرق أنفسنا ولا نؤدي دوراً تجاه العالم بسبب أن الذي أراد أن يوجد هذه الأزمات عرف نقطة الضعف التي عندنا فصار يضرب عليها دائماً.

    أيضاً لا نقف متفرجين، بل ينبغي أن تكون هناك رؤية واضحة للتعامل مع هذا الإشكال لا تعطلنا عن البناء الأساسي الذي نحن بصدده حتى لا يصل الأمر إلى ما يريده من أقام مثل هذه الاستفزازات. وكان أحد الشباب قد ضرب مثلاً أعجبني كثيراً، قال لا ينبغي أن نُرى كمسلمين كمثل الغوريلا – القرد الكبير - الذي يحبس في قفص في حديقة الحيوانات والناس يتفرجون عليه ومعهم عصي ينخسونه بها، فيغضب ويصيح ويثور وهم يضحكون. لا ينبغي أن نتحول إلى هذه الصورة أمام العالم؛ ولا ينبغي أيضاً أن نعطي الفرصة لمن يريد بأن نسمح بتعبئة العالم كله - ليس الغرب فقط - في جهة والمسلمين وحدهم في جهة شاذين عن العالم، فيحول العالم كله إلى تحزب ضد الإسلام. لا ينبغي أن نعطي هذه الفرصة لمن يريدون الوصول إلى هذا الأمر.

*إبان مشكلة الدنمارك والرسوم الأولى حصل أن أعادت بعض الصحف اليمنية نشر الرسوم في سياق التوضيح فرُفعت دعوة ضدهم وتمت مقاضاة الصحفيين اليمنيين المسؤولين عن هذه الصحف وحوكموا وسجن بعضهم ما رأيكم بذلك؟

- أعتقد أن ما فعله بعض الصحفيين وإن لم يقصدوا الإساءة هو خطأ، لكن أيضاً لا ينبغي أن يقابل هذا الخطأ بخطأ آخر في التعامل مع الصحفيين لتتحول المسائل إلى نوع من العداوة بين صاحب الخطاب الإسلامي وبين الصحفي الذي يريد أن يخدم القضية بما يراه مفيداً لها. كانت هناك وسائل أفضل ينبغي أن يعامل بها الصحفيون لتنبيههم إلى هذا الخطأ حتى لا يتكرر، ولا ينبغي أن نفترض مسبقاً أن هؤلاء الصحفيين مغرضون وأنهم عملاء، والاتهامات المسبقة ينبغي ألا يترتب عليها تصرفات إلا بعد التحقق منها وأخشى أن تكون المسألة قد أخذت بعداً آخر يتعلق بحسابات أخرى من خلال المزايدات.

* عند تفسير النصوص المتعلقة بالمرأة هل يجب أن يتم ذلك على قاعدة أن العدل هو الأساس وأن الرجل والمرأة متساويان في الإنسانية والعقل والدين؟ أم بناء على قاعدة الاصطفاء والابتلاء والحكمة الغائبة؟

- لا أعتقد أن المسألة تطرح بهذا الحد من المفارقة التي تجعل مرتكزاً واحداً للطرح، العدل والمساواة في العقل أم سنة الابتلاء و المصابرة في الحياة الدنيا، والمخاطب بها الرجل والمرأة على حد سواء وليست المرأة فحسب؛ وليس دائماً أسلوب (إما أبيض أو أسود..) هو الطريقة الصحيحة لقراءة وفهم النصوص والتعامل معها بل قد يتعاضد المبدآن معاً في توضيح قضية واحدة.

* بعض الأحكام في ظاهرها يكون التفسير العقلي غائب، وتأتي الحجة بأن هذا ابتلاء والحكمة غائبة؟

- ربما عندنا شيء من الإشكال في كيفية تقديم النصوص والتعبير عنها من جهة من يحاول أن يدافع ومن يحاول أن يستفسر وأحياناً ينتقد ويتهجم، المسألة تحتاج إلى تريث وتبصر أكثر.

    وفي حديثنا عن حقوق الطفل أو حقوق الرجل - الآن بدأت بعض المطالبات بحقوق الرجل في ظل تنامي حقوق المرأة - أو الحريات أو غيرها، لا ينبغي أن يكون المسلك فيما أظن لهذا الأمر الصيغة الهجومية التي ترفض رؤية متبصرة لتفهم الأمر، على شكل ..(هل أنت مع أن تحكم المرأة أم لا، لا تشرح ، فقط قل نعم أو لا؟) أو (أجب بوضوح أنت مع المساواة في الحقوق والمهام للرجل والمرأة أم أنت ضد إنصاف المرأة؟)، السؤال خطأ (وأجبني أنت مع العمليات التفجيرية التي يفجر فيها الناس أنفسهم، هل تراها انتحارية أو استشهادية؟) طيب يا جماعة نتحدث عن الأسباب التي أدت (لا لا، لا تتهرب.. أجب)،

    هذه المنهجية تُفقد أي قضية ثقافية أو واقعية مطروحة المصداقية والإنصاف للوصول إلى حل، وتسهل وتيسر على من يريد أن يستغل هذه القضايا السامية لملفات أخرى، فيتخذون من مظلومية المرأة ومستقبلاً الرجل وأحياناً الحريات مطية، والمسألة وراءها خلفيات أخرى. لهذا ينبغي أن يكون في المسألة نوع من التبصر؛ فهناك أجوبة على التساؤلات المتعلقة بالنصوص الموهمة أو المشتبهة على الأذهان يخاطب بها المؤمن الذي يؤمن بالله الذي أنزلها.

   وهناك مسلك آخر يجاب به من لا يؤمن بأنها من الله ولا يؤمن بقدسية النص، لأن عقلية وثقافة من نخاطب تختلف، لا يعني هذا أنه احتيال وأن هذا الجواب مختلف إلى حد التضاد، لا، هو اختلاف تنوع. أنا أخاطبك بنفس المعلومة لكن بطريقة تتناسب مع قناعاتك التي تأخذها أنت، من خلال هذا الأمر، وعند التبصر والتناول العلمي المنطقي لا أجد أي إشكال أمامي في أي نص يأتي.

* المرأة المسلمة غير المحجبة، كيف ينظر إليها الحبيب الجفري؟

- هي امرأة مسلمة مؤمنة، عاصية في هذا الأمر، ومعصيتها فيه لا يلزم أن تنفي عنها صفة الفضيلة، قد تنطوي في باطنها على كثير من الفضائل، قد لا توجد عند بعض المحجبات، ولكن أيضاً هذا لا يعذرها ولا يبرر لها تركها للحجاب، فالحجاب فريضة مجمع عليها، مختلف في توصيف هذه الفريضة فيما يتعلق بالوجه والكفين، الحد الأدنى من هذه الفريضة تركه معصية، والذي يقول بأنه ليس معصية خارق للإجماع متعرض لخطر كبير. لكن يمكن أن تقول أنها مقصرة في هذا ونرجو من الله أن يهديها؛ وقد تكون في كثير من الأمور على خير. ولكن يجب أن لا تقول بأن هذا غير واجب وتبحث عن من يبرر لها الخطأ،

    وفي الوقت نفسه لا ينبغي النظر إلى غير المحجبة على أنها مجردة من دينها، متجردة من مبادئها ومن أخلاقها، فالبعض - والعياذ بالله – يقول عنها عاهرة أو فاسدة، فالذي يقول هذه الألفاظ لو حكّمنا فيه الشريعة لأقيم عليه حد القذف حتى يثبت البينة. فإذاً المرأة غير المحجبة مقصرة ومخالفة وعاصية في عدم حجابها، لكن هذا لا يجردها من أنها قد تحمل قيماً وأخلاقاً راقية، وإذا رضينا أن نقيم مقارنة، بين واحدة غير محجبة ولكنها لا تكذب ولا تسرق ولا تغش، وأخرى محجبة إلا أنها تسرق وتكذب وتغش، لا شك أن غير المحجبة التي لا تكذب ولا تسرق ولا تغش أفضل من المحجبة التي تسرق وتكذب وتغش؛

   ولا أقول هذا لتبرير حالها، أكرر هي على معصية وعلى خطر في مخالفتها لأمر الله، لكن كما أننا ننكر على التي تسفر عن رأسها وتترك حجابها ينبغي أن ننكر بالقدْر نفسه بل أكثر على من تكذب وتسرق وتغش وتضطهد الآخرين. أيضاً أنظر إلى المرأة غير المحجبة على أنها محل لأن يُخاطب إيمانها بالله ويقينها به ويُجتهد عليها في ذلك لكي تتحجب، فهي مشروع دعوة لتتحجب.

     بالطبع هذا النمط من التناول لا يشمل نماذج العري والخلاعة التي تروج بين المسلمين لأن هذه النماذج تجاوزت قضية التقصير في الحجاب إلى نشر الرذيلة، ويمكن أن نعتبرها نوع من الحرب على الإنسانية، فكما أن هناك جريمة قتل بتفجير الأجساد هناك جريمة تفجير الشهوات بالأجساد.

* كيف تنظر لنشاط المرأة السياسي وفي المجتمع المدني؟

- من حيث المبدأ لا إشكال ولا مانع، بل يمكن أن أقول ينبغي أن يكون لها نشاط في تلك الميادين، أما التفاصيل فهي محل أخذ ورد وخلاف بين العلماء وبين الناس أيضاً. وتختلف النساء في كفاءتهن وقدراتهن كما يختلف الرجال في ذلك، وأيضاً من الإشكال أن يتحول الأمر - وهو فخ أرجو ألا تقع فيه المرأة المسلمة كما وقعت فيه المرأة الغربية - إلى مصيدة تُجرد فيها المرأة من الاعتراف والاحترام والتقدير لدورها كأم وزوجة.

   عندما يوجد تطرف يقول: لا نريد أن تشتغل المرأة أبداً، فقط تتزوج وتلد، وهذا خطأ ومرفوض، ينبغي ألا يحجب ذلك عنا وجود تطرف آخر يقول: المرأة التي لا تذهب وتعمل امرأة فاشلة وما أدت دوراً في المجتمع؛ لأن هذا أيضاً ظلم للمرأة، فهي تؤدي دوراً عظيماً في بقاء العنصر الإنساني، والحمل والولادة، وبقاء الإنسان واستمراره بالنسبة للرجل متعة ساعة، بينما بالنسبة للمرأة رحلة موت، ثم بعد ذلك رحلة كفاح مشترك بين الجنسين في القيام على شؤون الأولاد وتربيتهم، فلا يتأتى أن نلغي هذا من رصيد المرأة، بحيث ينظر المجتمع إلى المرأة باستخفاف إذا ما هي اكتفت بدور تربية الأولاد، مقابل الإشادة بمن تعمل في الشأن العام.

   ومع مرور الوقت إذا رسخت هذه الثقافة كما رسخت في الغرب ستتخلى المرأة عن مهمّة إنجاب وتربية الأولاد، لأنه لا يأتي لها بمنفعة ولا احترام لها على هذا الدور، وهذا أحد الأسباب التي جعلت المجتمعات الغربية في كثير من مناطقها تشكو من تفكك الأسرة، وتنامي مجتمع الشيخوخة، وقلة وجود الإنجاب. فالمرأة تتنصل عن أداء دورها كأم لأنها لم تُحترم لهذا الدور،

   وهنا تتجلى عظمة الشريعة في جعل الأحقية للأم ثلاثة أضعاف أحقية الأب في البر والصحبة. فينبغي أن لا نقع في هذه المصيدة، ما ذنب المرأة الغربية الأمريكية أو الكندية أو الأوروبية التي أنجبت ثلاثة أو أربعة أولاد وشعرت أن طاقتها لا تتحمل أن تجمع بين رعايتهم وبين أن تذهب إلى العمل لتحصّل لقمة العيش؟ وفي قوانينهم لا يوجد ما يكفل لها الحياة الكريمة إلا المعونات الاجتماعية التي لا تكاد تسد حاجتها، وليس الأمر من ناحية المال أو النفقة فقط، بل الظلم يتعلق بعدم النظر إليها على أنها تؤدي دوراً في المجتمع، وهذا خطير.

    وأنا أطلب من أخواتي القائمات على الحركات النسوية أن يتنبهن إلى هذا الأمر، وأن يطالبن بإيجاد اعتبار في المجتمع الدولي لدور المرأة كأم ودورها كزوجة، حتى لا تتحول المرأة إلى كيان مضطهد ولكن من جانب آخر، اضطهاد في طور جديد.

* ألا يجب أن يكون هناك دور مشترك للرجل والمرأة في جانب تربية الأبناء ودور مشترك في النشاط العام؟

- صحيح، لكن هل هما على حد سواء في الدور، الأب والأم؟ على المرأة ألا تنحو منحىً يلغي تميزها عن الرجل، المرأة متميزة عن الرجل في أن دورها كأم أكبر بكثير من دوره كأب، هذا لا يعذره في أداء دوره في التربية والرعاية، لكن الدور الأكبر حتى في التربية والرعاية للأم. المرأة هي التي لا تنام الليل إذا مرض ولدها، هي التي بضمة الولد إلى صدرها تُبنى نفسيته السليمة لا سيما في الست السنوات الأولى من عمره، والتي يتشكل فيها الجزء الأعمق من بنيته النفسية.

    عندما يُلغى هذا من تميز المرأة عن الرجل وتبدأ سباقاً غير متكافئ معه بسبب إلغاء المقومات التي تتميز بها عنه فهي الخاسرة، لهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للفت النظر إلى هذا الأمر عندما سأله بعض الصحابة قائلاً: "يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي قال: أمك، قال ثم من قال: أمك، قال ثم من قال: أمك، قال ثم من قال: ثم أبوك" [صحيح البخاري، كتاب الأدب].

   هناك جعل حق القوامة للزوج مرتبطاً بمسؤولية يتحملها وواجب يؤديه في إطار محدد، وهنا جعل حق المرأة مرتبطاً بمسؤولية تتحملها وواجب تؤديه، فالقضية ليست رجل وامرأة، بل قضية واجبات وحقوق تترتب على هذه الواجبات. على الرجل واجب يؤديه كزوج وله حقوق مترتبة على هذا الواجب، إن أخذ هذه الحقوق دون أن يؤدي الواجب أثم، وهناك واجب على المرأة كأم وحقوق ترتبت على ذلك. أثم من لم يؤدِ هذه الحقوق، وإن لم تؤدِ هي الواجبات أثمت. والتحاكم هنا ليس إلى النزاع البشري، لا يجوز للابن أن يعق أمه إذا لم تؤدِ واجبها تجاهه، لكن الله سبحانه وتعالى سيعاقبها على ذلك إذا لم تؤدِ الدور الذي عليها، كذلك لا يجوز للمرأة أن تلغي ما أعطى الله للزوج من حقوق لأنه لم يؤدِ دوره، لكن الله سيحاسبه على ذلك.

     هنا مساواة راقية تتعلق بالنظر إلى ما هي المهمة التي يؤديها الرجل في هذا الميدان، وما هي الحقوق التي تترتب على هذه المهمة، لاحظوا تضامن مبدأ المساواة ومبدأ الابتلاء في تشييد حياة الإنسان الذي سألتم عنه قبل قليل (تبارك الله أحسن الخالقين). في شريعتنا النفقة واجبة على الرجل للمرأة لا من باب المنة عليها بل من باب الحق المشروع لها،

    ولهذا جاءت المفاضلة في مسألة الإرث في بعض صوره، بينما في بعض الصور الأخرى لم تعطَ له المفاضلة. هنا المرأة هي صاحبة الدور الأكبر فيما يتعلق بالأبناء، ولهذا حقوق الأم أكبر على الأبناء من حقوق الأب، فالحقوق لها ارتباط واضح وجلي بالواجبات، وبما أننا مؤمنون ومسلمون ونعتقد بأن هذا جاء بوحي فلا يخطر على البال أبداً أن هناك تحيزاً للرجل.

    أما إذا خاطبنا غير المسلم فنحتاج إلى البسط الفلسفي للمسألة وربط البسط الفلسفي للمسألة بالواقع التطبيقي؛ أروني ماذا فعلتم للمرأة في الغرب، تحولت إلى سلعة لترويج البضائع، أنا عندما أنظر إلى امرأة شبه عارية تبرز مفاتنها وجمالها للناس بجانب سيارة فاخرة، أتساءل: أي البضاعتين معروضة للبيع؟! ما أعرفه أنه حتى أروج لسيارة أحتاج إلى أن أثبت في الإعلانات عنها جدارتها وقوتها وسرعتها، لكن ما شأن وجود بنت جميلة متعرية بجانب السيارة لترويجها، أنا لا أرى أبداً أن إنصاف المرأة أن نستتر في صورة أنّا نقدر جمالها وحسنها ونحترم الجمال لنحولها إلى سلعة تباع وتشترى.

* أليست المرأة في مجتمعاتنا سلعة بطريقة أخرى وإن تغطت من رأسها إلى أسفل قدميها؟

- هذا صحيح، وهي مساء إليها ومظلومة وهناك أخطاء تمارس تجاهها، لكن هل نعالج الأخطاء التي ترتكب في مجتمعاتنا باستيراد حلول أثبتت تطبيقاتها أنها غير ناجحة بل تولّد عنها طور آخر من الظلم والإساءة للمرأة؟ أنا لا أتكلم عن مجتمعنا أنا أتكلم عن ديننا، وأقول إن مجتمعنا تخلف كثيراً عن ديننا، وأحياناً باسم الدين. في مجتمعاتنا يمارس أحياناً ظلم المرأة باسم الدين، وهذا خطأ فاحش ينبغي معالجته، وينبغي أن يكون هناك من الرجال ومن النساء من داخل الدين من يقودون حركة تصويبية.

    النزعة الذكورية التي قد تعتري الخطاب الإسلامي أحياناً ليست جديدة. ففي عهد السيدة عائشة رضي الله عنها وهي الفقيهة العالمة المحدثة الراوية، قد روي عنها "أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلاَةَ فَقَالُوا يَقْطَعُهَا الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ‏.‏ قَالَتْ قَدْ جَعَلْتُمُونَا كِلاَبًا، لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ يُصَلِّي، وَإِنِّي لَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ عَلَى السَّرِيرِ، فَتَكُونُ لِي الْحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَسْتَقْبِلَهُ فَأَنْسَلُّ انْسِلاَلاً" [صحيح البخاري، كتاب الصلاة رقم 510].

    ‏فنحن بحاجة إلى وجود المرأة العالمة التي تقوم بدور عائشة الثائرة على أي ظلم يمارس على المرأة باسم الدين لكن من داخل الدين؛ بدل أن يأتي الصراخ من بناتنا باتجاه الدين، كلا، أنت مؤمنة استنصري بالدين ينصرك الدين.

    لقد حصل التقصير في العصور الأخيرة من خلال ندرة العالمات الفقيهات المحدثات الداعيات من المسلمين مما أدى إلى شيء من النزعة الذكورية في الخطاب الفقهي، لكن عندما كان لدينا عدد من الفقيهات والمحدثات كان أي ميل إلى الناحية الذكورية في الخطاب الإسلامي يقابل بالتصويب من قبل المرأة نفسها لأنها عالمة، فالرجال الذين يستنبطون ويبلغون الخطاب الإسلامي هم بشر وليسوا أنبياء معصومين.

* هل قلة عدد العالمات يعود لتركيز العلماء على أبنائهم الذكور في مسألة العلم وإهمال الإناث؟

- إن كان الأمر كذلك فهو خطأ نحتاج إلى معالجته. يوجد الآن بحمد الله شيء من الانتباه لذلك، وبرز عدد من النساء الداعيات والعالمات والمحللات لمثل هذه الإشكاليات، مثل "السيدة صفاء الجفري" من بنات عمومتنا، بدأت تكتب مقالات تنتقد التعرض للمرأة بأسلوب غير واعٍ من داخل البيت الإسلامي، والدكتورة هبة رؤوف لها كتابات من هذا النوع، ومن قبل ذلك الدكتورة عبلة الكحلاوي لها خطاب من هذا النوع يمتزج فيه العلم بالعاطفة والإحساس. إذاً يوجد بدايات لاستعادة المرأة لدورها الفقهي، وتوجد تجارب بحاجة إلى إنضاج، كما أن نسبة الطالبات في كليات الشريعة في ارتفاع وهي في بعضها تتجاوز نسبة الطلاب.

* في مجال الأدوار الاجتماعية، هناك أدوار طبيعية لا تتغير (الحمل، الولادة، الرضاعة)، وهناك أدوار اجتماعية يتحكم فيها المجتمع، ما هي حدود هذه الأدوار الاجتماعية؟

- ما لم يأتِ نص صريح أو إجماع في تحديده هو محل نظر، والدين جاء ليوجه الأدوار الاجتماعية. هذا الفرق بين تسلط البعض باسم الدين على الأدوار الاجتماعية، وبين هدايات وتوجيهات الدين للأدوار الاجتماعية.. لكن المشكلة أيضا ترجع إلى العادات الخاطئة والمعالجات الخاطئة.

  • طباعة
  • إرسال إلى صديق
  • مشاركة

ملاحظة

  • اللقاءات المنشورة كاملة كما تم اجرائها، وقد يكون أجري عليها بعض الحذف والتغيير أثناء النشر.